إسرائيل تراقب وتتحوط

تم نشره في الثلاثاء 8 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

منذ بداية الأحداث في مصر.. لم أنتبه كثيراً إلى ردود الفعل الدولية، خصوصاً الأوروبية والأميركية، فلن يكون هنالك من جديد يختلف عن ردود الفعل التي صدرت خلال أحداث تونس. ذلك أن رد الفعل الأميركي يتدرج انتهازياً مع التطورات، فهم في موقف الوسط ما دامت المظاهرات والنظام لم يحسم أي منهما الوضع، وهم في موقف التخلي عن الحلفاء حين تذهب تقديراتهم أو تقديرات من يساعدونهم على التحليل إلى أن النظام في سبيله لأن يهزم.

اذاً، فما يجدر الانتباه إليه هو ردود الفعل في إسرائيل، ليس فقط على الصعيد الحكومي حيث يتوقع إبداء الأسف على جار تتعرض سلطته للاهتزاز، ويتعرض معها الأمن القومي الإسرائيلي الذي بني خلال العقود الماضية على معاهدة السلام المستقر مع مصر، وإذا ما تزعزع هذا السلام فلا مناص من أن يتزعزع الاطمئنان، وتصبح إسرائيل مطالبة بالبدائل المكلفة سياسياً وعسكرياً وحتى اقتصادياً.

وإذا كان رد الفعل الحكومي في إسرائيل يبدو حذراً ومتحفظاً على صعيد اللغة والإعلام، فإن ما تجدر قراءته جيداً هو ردود أفعال كبار كتاب السياسة والمفكرين، فهم أكثر تحرراً من المصادر الحكومية في مجال التحليل ووضع النقاط على الحروف الصريحة.

فما هي ألوان خريطة المواقف الإسرائيلية على هذا الصعيد؟
اللون الرمادي يبدو من خلال الاعتراف بعدم القدرة على الاستخلاص المبكر للأحداث الجارية في مصر. ذلك يؤدي إلى استنتاجات غير يقينية، إلا أنها مليئة بالخوف من الاحتمالات، خاصة ذلك الاحتمال الذي تدفع الولايات المتحدة نحوه بشدة، وهو استبدال نظام مبارك بنظام تعددي لا بد وأن يكون للإسلام السياسي فيه نصيب، وقد يكون نصيب الأسد، ذلك بمشاركة تيارات وقوى لا ترى في المعاهدة الإسرائيلية-المصرية أمراً نموذجياً.. كما لا ترى في صفقة الغاز مأثرة سياسية وأخلاقية. وبالتالي، فإن دعم الاميركيين لهذا الاحتمال كفيل بحد ذاته بإثارة الرعب وليس مجرد المخاوف المألوفة.

أما اللون الأحمر الظاهر على الخريطة بوضوح شديد، فهو الخوف على الحدود البرية مع مصر، وتحديداً الشريط القصير المسمى بمحور فيلادلفي، أي الحدود مع غزة. إن في إسرائيل شعورا قويا بأن هذا الممر أضحى مصدر خطر أمني استراتيجي بفعل نشاط البدو المتصاعد هناك، وبفعل قدرة إيران على  ضخ أسلحة متطورة إلى غزة من خلاله، وكذلك بفعل الإمكانات الموضوعية المتاحة لتنظيم مثل القاعدة، بالتسلل عبر الأنفاق والكمون في غزة وبناء قوة عسكرية طالبانية هناك.

وهذا اللون الأحمر في الخريطة يجد قرائن مادية تعززه وتوفر ما يشبه الإجماع حوله، وذلك من خلال ظاهرة الأنفاق التي يحار العقل الإسرائيلي في فهم فلسفة مصر تجاهها. فالبعض يرى تواطؤاً مصرياً غير معلن في أمرها، والبعض الآخر، ومهما تسلح بحسن النية، يرى أن مصر غير قادرة على إنهاء هذه الظاهرة المقلقة، لذا قد يتوجه الجيش الإسرائيلي لاحتلال هذا المحور ومن سيعترض والحال في مصر كما نرى؟
أما اللون الأخضر، فهو لون رسمه العقلاء القلائل في إسرائيل، الذين يرون خطراً اكيداً قادما من الجنوب سيحتم على الجيش الإسرائيلي إعادة بناء قوته هناك كما لو أنه حيال جبهة عادت للنشاط من جديد. ولكي لا تجد إسرائيل نفسها داخل طوق خانق، فلا مناص من أن تفتح ثغرة في الطوق إما شمالاً وإما شرقاً.. أي إما سلام مع سورية يخفف من أعباء الجيش الإسرائيلي هناك، وإما سلام مع الفلسطينيين يتم وفق ذات المنظور.

إن أصحاب هذا اللون لا يغفلون تأثير الشبح الإيراني الذي يطل برأسه من لبنان، وربما من أماكن أخرى وبصور مختلفة، لذا فإن خريطة الاحتمالات الإسرائيلية ستزداد ألوانها مع كل تطور جديد في واقع النظم المحاذية لإسرائيل.

إلا أن في إسرائيل ميزة تختلف عن جيرانها، وهي أنها لا تدع للانتظار محلاً في رسم سياساتها الأساسية والطارئة وحتى الوقائية، لذا يبدو أنها دخلت طور وضع الخطط البديلة عسكرياً واستراتيجياً، ولا أحد يعرف بالضبط هل تكون غزة كلها أم مجرد محور فيلادلفي هي المحطة القادمة للجيش الإسرائيلي، وما يحركه من مخاوف إسرائيلية متنامية ومتكاثرة، جذرها الأعمق والأهم مصر، مع انتباهة استثنائية للانقلاب الأخوي في لبنان.


* عضو المجلس المركزي
 لمنظمة التحرير الفلسطينية

التعليق