حقيقة القوة الافتراضية

تم نشره في الأحد 6 شباط / فبراير 2011. 03:00 صباحاً

 

بينما تتصارع أنظمة عربية مع المظاهرات التي غذتها عناصر مثل "تويتر" وقناة الجزيرة، وفي حين يحاول الدبلوماسيون الأميركيون فهم تأثير "ويكيليكس"، بات من الواضح أن عصر المعلومات العالمي هذا سوف يتطلب فهماً أكثر حنكة للكيفية التي تعمل بها القوة في عالم السياسة العالمية.

هذه هي الحجة التي أسوقها في كتابي الجديد "مستقبل القوة". إن هذا القرن يشهد نوعين من تحول القوى: انتقال القوة وانتشار القوة. إن انتقال القوة من دولة مهيمنة إلى دولة مهيمنة أخرى يُعَد نمطا تاريخيا مألوفا، ولكن انتشار القوة يشكل عملية أكثر حداثة. فالمشكلة التي تواجه كل الدول اليوم تتلخص في أن المزيد من الأحداث يقع خارج نطاق سيطرة حتى أكثر الدول قوة.

أما عن انتقال القوة، فإن قدراً كبيراً من الاهتمام بات موجهاً الآن نحو الانحدار الأميركي المفترض، ويصحب ذلك في كثير من الأحيان قياسات تاريخية بارعة إلى بريطانيا وروما. ولكن روما ظلت مهيمنة لأكثر من ثلاثة قرون بعد أن بلغت أوج قوتها، وحتى في ذلك الحين لم تركع روما بسبب صعود دولة أخرى، بل جاءها الموت نتيجة لآلاف الجراح التي أنزلتها بها قبائل بربرية مختلفة.

ورغم التكهنات السائدة بأن الصين أو الهند أو البرازيل سوف تتفوق على الولايات المتحدة في غضون العقود المقبلة، فإن أعظم التهديدات قد تأتيها من برابرة العصر الحديث فضلاً عن جهات ليست تابعة لدولة بعينها. وفي عالم معلوماتي يقوم على انعدام الأمن "السيبراني"، فإن انتشار القوة قد يشكل تهديداً أعظم من انتقال القوة.
وماذا قد يعني التمكن من القوة في عصر المعلومات العالمي في القرن الحادي والعشرين؟ وما هي الموارد التي قد تنتج القوة؟إن كل عصر يفرز إجابات خاصة به. ففي القرن السادس عشر، كانت الغلبة لإسبانيا بفضل السيطرة على المستعمرات وسبائك الذهب؛ وفي القرن السابع عشر استفادت هولندا من التجارة والتمويل؛ وفي القرن الثامن عشر ربحت فرنسا بفضل كثرة أعداد سكانها وجيوشها؛ وفي القرن التاسع عشر استندت القوة البريطانية إلى التفوق الصناعي والبحري.

كان الرأي السائد يفترض دوماً أن الغلبة تكون في كل الأحوال للقوة العسكرية الأضخم. ولكن في عصر المعلومات، قد تكون الغلبة للدولة (أو الجهة) التي تمتلك الرواية الأفضل للوقائع. واليوم لم يعد من الواضح بأي حال كيف نقيس توازن القوى، ناهيك عن كيفية وضع استراتيجيات البقاء الناجحة في هذا العالم الجديد.
إن أغلب التوقعات الحالية فيما يتصل بالتحول في ميزان القوى العالمي تستند في المقام الأول على عامل واحد: التوقعات الخاصة بنمو الناتج المحلي الإجمالي للبلدان المختلفة. وهي على هذا تتجاهل الأبعاد الأخرى للقوة، بما في ذلك كل من القوة العسكرية الصارمة والقوة الناعمة لسرد الوقائع، ناهيك عن المصاعب السياسية المتمثلة في محاولة الجمع بين القوتين في استراتيجية واحدة ناجحة.

إن الدول سوف تظل الفاعل المهيمن على الساحة العالمية، ولكنها سوف تجد أن الساحة أصبحت أكثر ازدحاماً، وأن السيطرة عليها باتت أكثر صعوبة. فالآن أصبح قسم من سكانها -أكبر من أي وقت مضى- قادراً على الوصول إلى القوة التي توفرها المعلومات.

كانت الحكومات تعرب عن تخوفها إزاء تدفق المعلومات والسيطرة عليها، والفترة الحالية ليست الأولى التي تتأثر بشدة بفعل التغيرات الهائلة الطارئة على تكنولوجيا المعلومات. والأمر الجديد الآن -وما نراه متجلياً في الشرق الأوسط اليوم- يتمثل في سرعة الاتصال والتمكين التكنولوجي لقطاع أعرض من الجهات الفاعلة.
إن عصر المعلومات الحالي، والذي يطلق عليه أحياناً "الثورة الصناعية الثالثة"، يستند إلى تطورات تكنولوجية سريعة في الحاسبات الآلية والاتصالات والبرمجيات، والتي بدورها أدت إلى هبوط حاد في تكاليف الإنشاء والمعالجة والتحويل والبحث عن المعلومات بكافة أشكالها. وهذا يعني أن السياسة العالمية لم يعد من الممكن أن تظل دائرة اختصاص الحكومات وحدها.

ومع هبوط تكاليف الحوسبة والاتصالات، انخفضت الحواجز. وبالتالي أصبح بوسع الأفراد والمنظمات الخاصة، التي تتراوح من الشركات إلى المنظمات غير الحكومية إلى الإرهابيين، أن يلعبوا دوراً مباشراً في السياسة العالمية.

إن انتشار المعلومات يعني أن القوة سوف تكون موزعة على نطاق أوسع، وأن الشبكات غير الرسمية سوف تعمل على تقليص احتكار البيروقراطية التقليدية. كما أن السرعة التي يتسم بها عصر الإنترنت تعني أن كل الحكومات سوف تتمكن من فرض قدر أدنى من السيطرة على أجنداتها. وسوف يتمتع الزعماء السياسيون بدرجات أدنى من الحرية قبل أن يصبح لزاماً عليهم أن يستجيبوا للأحداث، وقبل أن يضطروا إلى التنافس مع عدد متزايد ومجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة حتى يتسنى لهم أن يوصلوا أصواتهم.

وفي حين نشهد هذا، يناضل صناع القرار السياسي في أميركا في محاولة للتعامل مع الاضطرابات في الشرق الأوسط اليوم. إن سقوط النظام التونسي يعود إلى جذور داخلية عميقة، ولكن التوقيت فاجأ العناصر الخارجية، بما في ذلك حكومة الولايات المتحدة. ويعزو بعض المراقبين تسارع وتيرة الثورة إلى "تويتر" و"ويكيليكس".
وبينما تحاول إدارة أوباما صياغة سياسة واضحة في التعامل مع مصر واليمن، فإنها تواجه معضلة. ففي اليمن، قدم نظام علي عبد الله صالح مساعدات بالغة الأهمية في التعامل مع التهديد الذي يفرضه الإرهاب التابع لتنظيم القاعدة. وفي مصر، ساعد حكم حسني مبارك في تخفيف حِدة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وموازنة القوة الإيرانية في المنطقة. وكانت الأساليب التبسيطية في تأييد الديمقراطية والتي تبنتها إدارة جورج دبليو بوش باهظة التكاليف في العراق كما غزة حيث أدت الانتخابات إلى ظهور حكومة معادية تقودها حماس.
في عصر المعلومات، تجمع السياسة الذكية بين القوتين الصارمة والناعمة. ونظراً لمكانة الولايات المتحدة، فإن إدارة أوباما لا تستطيع أن تهمل سرد الديمقراطية والحرية والانفتاح المستند إلى القوة الناعمة.

وعلى هذا فقد أصدر أوباما ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون نداءات عامة وخاصة تدعو إلى الإصلاح والتغيير في مصر والعالم العربي ككل، في حين حثّا كافة الأطراف على الحد من العنف أيضا. كما انحازا إلى حرية المعلومات بعد أن لجأ النظام المصري إلى قطع خدمة الإنترنت عن البلاد بالكامل.
لا أحد يستطيع الآن أن يجزم بما قد تنتهي إليه الأحداث في الشرق الأوسط، ولكن لا شك أن دعم حرية الوصول إلى المعلومات يشكل أحد أهم عناصر القوة الذكية في عصر المعلومات.


* أستاذ بجامعة هارفارد ومساعد وزير الدفاع الأميركي الأسبق.


خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق