في القاهرة.. كنت شاهداً على انتفاضة الغضب

تم نشره في الثلاثاء 1 شباط / فبراير 2011. 02:00 صباحاً

كنت شاهد عيان في القاهرة على تظاهرات الغضب التي اجتاحت الشارع المصري. من فندق هيلتون رمسيس وسط العاصمة وبجوار ميدان عبدالمنعم رياض وميدان التحرير، تابعت تفاصيل كل ما حدث طوال الجمعة وما سبقها من تظاهرات وصدامات مع الأمن المركزي قبل أن أعود ليلاً إلى عمان على طريقة "جيمس بوند"، بعد أن وصل المتظاهرون واحتموا في الفندق هرباً من القنابل المسيلة للدموع والهراوات التي انهالت فوق رؤوسهم.

ما حدث في القاهرة وفي المدن المصرية الأخرى يستحق أن يسجل ويدون ويخلد، وكما روى لي صديق مصري، وهو حقوقي معروف، فإن ما شهدته الشوارع لم تعرفه حتى في العام 1977 إبان حكم السادات، والتي أطلق عليها الشعب ثورة الخبز، ولقبها النظام بثورة الحرامية.

شباب "الفيسبوك" و"تويتر" و"المسج" والمدونون هم صانعو هذه الانتفاضة الاحتجاجية وليس قيادات الأحزاب والحزبيين أو مؤسسات المجتمع المدني. هؤلاء الشباب الذين ينظر لهم بأنهم خارج معادلة الصراع السياسي والاجتماعي والاقتصادي هم من أشعلوا الشارع غضباً، وهم من أعادوا الاعتبار لصورتهم، وهم وحدهم من لقنوا النظام درساً بأن لا يستهين بقدرتهم على الحشد والدفاع عن إرادتهم وصناعة التغيير.

الثورة التونسية ألهمتهم وعززت الثقة بهمتهم وبعزمهم، وبأن التغيير ممكن مهما كانت القبضة الحديدية محكمة وقوية، ومهما حاولت الحكومة الاستقواء بالأمن لقمع الشارع، ومهما حاولت تشويه صورة المحتجين وإظهارهم بصورة المخربين لأنه في آخر المطاف لا بد لليل أن ينجلي.

كنت شاهد عيان على قمع المحتجين الذين ذاقوا ويلات الفقر، وكنت شاهداً على منع الصحافة من ممارسة دورها المستقل في التغطية، وكنت شاهداً على القلق والفزع الذي تسببته الحكومة المصرية بعد قطعها لوسائل الاتصال كلها لمنع التواصل بين الناس، وللتعتيم على ممارساتها غير القانونية المخالفة لمبادئ حقوق الإنسان.

في المشهد المصري للاحتجاجات مفارقات وقصص تستحق التسجيل، أبرزها كيف استطاع الشباب المصري الذي ولد بعد حكم الرئيس مبارك من تنظيم نفسه، ومن توزيع الإرشادات بكيفية التعامل مع قنابل الغاز المسيلة للدموع، ومن مواجهة الأمن المركزي وضبط الغاضبين ومنعهم من أي ممارسات خارجة على القانون. وكثير من هذه التوجيهات والرسائل تقترن بنكات وكوميديا يمكن أن تترجم بفيلم سينمائي، فهذا الشعب العظيم حتى في أحلك الظروف لا يتخلى عن ضحكته وحبه للحياة.

الأهم أن النظام والرئيس على تماس مباشر مع الشعب، ولا توجد حلقات وسيطة فاصلة يمكن تحميلها مسؤولية ما حدث فتطوى الصفحة، والحكومة أضعف طرف يمكن أن تعلق عليه شماعة ما حدث.

وهذا يترافق مع كارثة اقتصادية يعجز النظام عن حلها، فالفقراء والعاطلون عن العمل لم يخرجوا بعد إلى الشارع، وحتى قوات الأمن المركزي التي تتولى قمع الناس هم من المسحوقين، وبالتأكيد فإن هذا المشهد يعقّد الوضع في مصر ويصعّب من عملية تطويقه من دون أن يشعر الشارع أنه حقق شيئاً جديداً يمكن أن يغير المعادلة. الأيام القادمة حاسمة في تاريخ مصر، والشعب الفرح بنزول الجيش أتوقع أنه سيكون في مواجهة معه إذا أصر على البقاء في الشارع وفي التصعيد مطالباً بتغيير النظام، وهنا سيكون الوضع خطيراً وكارثياً.

الاحتمال الوحيد لحلحلة الأزمة أن يتابع الرئيس مبارك تقديم سلسلة إصلاحات فورية بعد حل الحكومة، مثل قبول الطعون بمجلس الشعب، وتحويل الفاسدين إلى المحاكم، أو أن يعلن أنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة رسمياً.

nidal.mansur@alghad.jo

التعليق