الأزمة المالية لم تنته

تم نشره في السبت 1 كانون الثاني / يناير 2011. 03:00 صباحاً

دخلنا في السنة الثالثة من الأزمة المالية التي تفجرت في أيلول (سبتمبر) سنة 2008، والأزمة ما تزال قائمة، وهي تتوسع بدل أن تتوقف، رغم كل التصريحات التي تطمئن، أو تريد أن تطمئن.

لقد بدأت الأزمة كانفجار لفقاعة ديون الرهن العقاري، ما حمّل البنوك عبئاً أفضى إلى انهيار أكثر من ثلاثمائة بنك، منها بنوك أساسية، رغم أن الحكومات سارعت إلى تقديم الدعم الهائل لهذه البنوك خشية انهيار البنوك الكبيرة "أكثر مما ينبغي لكي يُسمح لها على الانهيار". لكن ذلك أفضى إلى تراكم مديونية الدول، حيث باتت تزيد على مجمل دخلها القومي، ووقعت العديد من الدول في أزمة العجز عن السداد، وهو الأمر الذي فرض المسارعة لتقديم الدعم لها من الدول التي ما تزال لم تصل إلى حدّ الأزمة، كما من البنوك التي كانت بالكاد قد خرجت من أزمتها نتيجة الدعم الحكومي لها.

لكن، إذا كانت البنوك قد حصلت على الدعم من دون مقابل تقريباً، أو على شكل قروض ميسرة، أو مشاركة للدول في الملكية، فإن عجز الدول فرض البحث عن مصدر آخر من أجل تسديد فاتورة الديون المتراكمة، لهذا لجأت إلى سياسات التقشف، حيث يجري تقليص قوة العمل وتخفيض الأجور، والتخلي عن، أو تقليص الضمان الاجتماعي والصحي، وضمان البطالة، ومن ثم زيادة الضرائب. وهو الأمر الذي يعني تقلّص القدرة الشرائية للمواطنين، وتدهور وضعهم المعيشي، وزيادة البطالة. وهذا يعني تراجع شراء السلع والخدمات، وبالتالي نشوء أزمة في القطاعات المنتجة والخدمية. وهنا تنتقل الأزمة، كما نلحظ، من القطاع المالي إلى القطاع المنتج والخدمي، والتجاري. أي ما بات يسمى الاقتصاد الحقيقي.

وإذا كان هذا القطاع في أزمة منذ عقود أربعة، حيث أدى الكساد إلى أزمات في القطاع الصناعي نتيجة التنافس الشديد، وكذلك في القطاع الزراعي، فإن السياسات المالية الجديدة القائمة على التقشف وزيادة الضرائب سوف تؤدي إلى تفاقم أزمة هذه القطاعات، وبالتالي دخول الاقتصاد الرأسمالي في دورة جديدة من الأزمات أعمق مما يظهر إلى الآن.

إن المشكلة التي باتت تحكم الاقتصاد الرأسمالي تتمثل في نشوء كتلة مالية هائلة خارج الاقتصاد الحقيقي، نشطت في العقود الماضية في القطاع المالي فقط: أي في اسواق الأسهم والمضاربات في اسعار العملة، ثم في المشتقات المالية التي جرى "اختراعها" من أجل استيعاب هذه الكتلة المالية الهائلة. وهذه كلها تفضي إلى تضخم متصاعد في الأسعار يوصل إلى تشكّل فقاعات مالية لا بد من أن تنفجر. وهذا ما ظهر في أزمة الرهون العقارية في أميركا، وأزمة المديونية في أوروبا. ويمكن أن يظهر في أشكال أخرى في الفترة القادمة. وهذه الأزمات تفضي كما لاحظنا إلى انهيارات مالية هائلة تطيح بالاقتصاد. ولقد عملت الدول على دعم البنوك والمؤسسات المالية بما يقارب الثلاثة تريليونات دولار، تراكمت كديون على الدول، إضافة إلى أن هذه الكتلة المالية قد فرضت توريط العديد من الدول في الاستدانة، ما أوقعها في الأزمة الراهنة (اليونان، وأيرلندا، والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا، وبولندا ورومانيا وهنغاريا). وهي البلدان التي أخذت في تطبيق سياسة التقشف.

وما يزال مخفياً أثر هذه الأزمة على الأمم المتخلّفة، التي هي مجال نهب الشركات الاحتكارية، حيث وقعت في أزمات المديونية منذ زمن طويل، وماتزال تتحكم لمفاعيلها، وكما وقعت تحت رحمة الارتفاع الهائل في الأسعار، وأيضاً تحت رحمة النهب الذي تمارسه الفئات الحاكمة بمنطق مافياوي.

لهذا وجدنا الصراعات الاجتماعية تتصاعد في أكثر من دولة أوروبية، وربما في عموم أوروبا، لكنها تنتقل إلى الأطراف، وسوف تنتقل بشدة أكبر، حيث إن هذه المناطق عانت من النهب المريع طيلة العقود الماضية، وهي الآن تتعرض للنهب الأشد من أجل تجاوز الرأسمالية أزمتها البنيوية، التي ستكون من الآن فصاعداً أزمة مستمرة.

s.keileh@alghad.jo

التعليق