البرازيل تسمع نداء أهلها

تم نشره في الاثنين 20 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

تحتل البرازيل اليوم قمة هرم النجومية في موضوع محاربة الفقر والجوع فبحسب الإحصاءات الرسمية وخلال السبعة أعوام الاخيرة خرج ما يقارب العشرين مليون برازيلي من حال الفقر.

فمنذ أن بدأت إصلاحاتها الزراعية واضعة نصب عينيها محو الجوع والفقر عبر برامجها "صفر جوع" حققت واقعاً مذهلاً ارتكز على قاعدة الفرص المتساوية والحصول على الحقوق ودعم المزارع الصغير والحيازات الزراعية الصغيرة والعائدة للعائلات الريفية. فمنذ عام 2003 حتى 2009 وزعت مساحة 43 مليون هكتار على 519111 عائلة تعمل في الزراعة. فارتفعت المداخيل الشهرية للطبقات الوسطى الدنيا من 7 %- 50 % كما تم ايجاد 14 مليون وظيفة وارتفعت قيمة الحد الأدنى للأجور بنسبة 53.6 %،

أما في موضوع الحقوق فقد اعتمدت البرازيل على وجوب احترام "حق الغذاء" الذي أجيز من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2008 وأنه حق من حقوق الإنسان الذي جاء في تعريفه "أن الحق في الغذاء الكافي هو حق من حقوق الإنسان المتأصلة في جميع الناس، في الحصول بشكل منتظم ودائم وغير مقيد إما مباشرة أو بواسطة مشتريات مالية كما ونوعا بصوره مناسبة وكافية من الغذاء الذي يتفق مع التقاليد الثقافية للشعب الذي ينتمي إليه المستهلك، والذي يكفل حياة جسدية وعقلية فردية وجماعية وتحقق حياة كريمة خالية من الخوف".

ونص أيضاً "على أن الحق في غذاء كاف يتحقق عندما يحصل كل رجل وامرأة وطفل بمفرده أو بالاشتراك مع الآخرين ولديه القدرة المالية والاقتصادية في جميع الأوقات على الغذاء الكافي أو وسائل شرائه".

وقد بين الباحث السوداني عاطف عبد المجيد أن البرازيل اعتمدت في محاربتها الجوع والفقر على الحق في الغذاء كأساس للتحليل والعمل والاستدامة في تقدير الأمن الغذائي والذي يتحقق بدوره عندما " تتوافر لجميع الناس وفي كل الأوقات الإمكانية المادية والاجتماعية والاقتصادية للحصول على غذاء كاف مأمون ومعد لتلبية احتياجاتهم التغذوية". أما ركائز الأمن الغذائي فهي توافر الأغذية أولاً واستقرار الإمدادات فيها ثانياً وإمكانات الحصول عليها واستخدامها ثالثاً ورابعاً. ومع دهشتي بأن من أهم العاملين على تحقيق هذا النجاح هو البرفيسور معلوف اللبناني الأصل إلا أنني متأكدة إن "الإرادة السياسية" هي الأساس في هكذا إنجاز، ولو وجدت في عالمينا العربي والإسلامي لتحقق لنا ما تحقق للبرازيل.

فقد عمدت البرازيل الى سن سياسات زراعية جديدة وتعديل سياسات أخرى من أجل إصلاح زراعي حقيقي عالجت من خلاله تمكين المزارعين الصغار من حيازة الأراضي ومن الحصول على قروض ومنح لشرائها وشراء كافة مستلزمات الإنتاج من خلال برامج استشارية وتوعوية تساعدهم على أخذهم القرارات الصحيحة ومن دون مقابل، كما أنها فرضت على مزودي الوجبات المدرسية لشراء محاصيلهم مباشرة من الحيازات الزراعية العائلية كإحدى الطرق لدعم وتسويق منتجاتهم، ورافق كل ذك برامج ودعم صحي واجتماعي وتعليمي أدى بالنهاية إلى تلك النتائج المذهلة.

ومع أنني قرأت سورة" الفلق" داعية الله أن يحمي "إرادة" البرازيل من عيوننا إلا أننا نعترف انه لا يمكن أن نقارن بلداننا المتفرقة بوضع البرازيل. كان يمكن ذلك فعلاً قبل أن "يهشمنا" الاستعمار إلى دول متفرقة لا تقدر معظمها على تحقيق الامن الغذائي بواسطة الاعتماد على حدودها القطرية فقط . والحل يكمن عبر تعاون إقليمي يهدف لتحقيق تكامل زراعي اقتصادي يؤدي حتماً إلى أمن غذائي (وغير غذائي) شامل.

وقد حدث أنني دعيت للمشاركة منذ أيام في الاجتماع الثلاثين الإقليمي الذي عقدته منظمة الأغذية والزراعة الدولية "الفاو" والتابعة للامم المتحدة في الخرطوم بتاريخ 4-8/12/2010 وقد أحزنني غياب الإرادة السياسية لتعاون حقيقي وأحزنني أكثر غياب بعض الدول تماماً عن حضور الجلسات أصلا (سوى الافتتاح) كالأردن وسورية مع حضور قوي لبعض الدول كالعراق ولبنان والسعودية وإيران!

قدرت منظمة "الفاو" العدد الكلي للجياع وضحايا نقص الغذاء على صعيد إقليم الشرق الأدنى بنحو 37 مليون نسمة في الوقت الراهن، استناداً إلى أحدث أرقامها. ويمثل هذا الرقم زيادةً بمقدار 17 مليون شخص عن المستويات الكلية السائدة في عام 1996، وإن كان المجموع يقل بمقدار خمسة ملايين جائع دون المستوى العام السائد بالإقليم في غضون عام 2009.

وصرحت الفاو أيضاً أن انتاجية محاصيل الحبوب في الشرق الأدنى تبلغ نحو نصف المعدلات العالمية كمتوسط عام في الوقت الراهن، ولم تزل الفجوة تتسع. وأضافت أيضاً أن "العجز في إنتاج الحبوب قد يتجاوز ضعفه بين الأعوام 2000-2030. ومثل هذا العجز المتنامي إنما يفاقم اعتماد أغلبية بلدان الشرق الأدنى على الواردات، ويجعلها أشد عرضة لصدمات الأسواق الدولية والمحلية"، كما بينت الفاو ان المتوسط المتاح للفرد من المياه يبلغ 1050 مترا مكعبا مقابل المعدل العالمي 8900 متر مكعب. وحتى هذا المعدل من المتوقع ان يهبط الى النصف بحلول 2050. وأكد المدير العام للمنظمة أن مواجهة هذه الوضعية يُحتم تعزيز الاستثمار في الزراعة كضرورة حاسمة، خصوصا انها تساهم بـ 12 % من التاتج المحلي الاجمالي على مستوى الاقليم بينما لا تحصل على ما يتجاوز 5 % من النفقات العامة. إن الأوضاع السائدة في الإقليم تبدو الآن مشجعة للتعاون الاقتصادي والاستثمار أكثر مما كانت عليه خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وإن التعاون الاقاليمي المتزايد من خلال زيادة التجارة والاستثمار، يواصل توليد اهتمام كبير بإقليم الشرق الأدنى.

وقد اختارتني منظمة الفاو لإلقاء كلمة المجتمع المدني في جلسة تعزيز حوكمة الأمن الغذائي والتغذوي قطرياً وإقليمياً مستندين على إصلاح لجنة الأمن الغذائي الدولية، فعزوت الصعوبات التي تواجه المجتمع المدني الى ثلاث؛ أولاهما ذاتية وهي الفشل حتى الآن في تكوين شبكات وحركات قوية إقليمية لفرض مفهوم السيادة على الغذاء. وثانيتها عدم تعاون دولنا نفسها لوضع خطط مشتركة تخدم الأمن الغذائي العربي. وثالثتها عدم الشفافية وازدواجية المعايير التي تعاني منها المنظمة الدولية نفسها وخوفها من وضع الإصبع على الجرح فيما يتعلق بالأسباب الحقيقية للجوع والفقر في اقليمنا وتجاهلها أيضاً للمسؤولية التي تتحملها الدول الغنية في إذكاء الصراعات التي أدت إلى نشر الجوع والفقر لـ 166 مليون إنسان يشكلون 20 % من نسبة من يعاني الفقر والجوع في العالم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ضرورة زيلدة التعاون والتكامل الأقتصادي بين العرب (د. عاصم الشهابي)

    الاثنين 20 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    أضيف لمقال الكاتبة رزان زعيتر الرائع التالي:المطلوب من جميع أهل الحكم في البلدان العربية أن يعترفوا بالحقيقة التي تأكد بأنهم لن يستطيعوا أن يقضوا على الفقر والبطالة التي أصبحت تطال نسبة كبيرة من شعوبهم، كما لن يكون للعرب مستقبل مشرق وثقل سياسي عالمي دون أن يعملوا معاوبأخلاص في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة والعلوم الحديثة. ومن المؤكد أن الوقت يمر بسرعة كبيرة قبل أن يكتشف جميع العرب بأنه ليس لهم مكان محترم في العالم الجديد، ولن تستطيع أي دولة عربية منفردة أن تكون مستقلة تماما وأن تلبى طلبات الغذاء والتنمية والأزدهار لشعبهاعلى المدى البعيد.