محمد أبو رمان

التطبيقات النموذجية قبل خدمة العلم

تم نشره في الجمعة 17 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

تشير المعلومات بأنّ هنالك دراسة جدّية لدى الحكومة باستعادة خدمة العلم مرّة أخرى بصيغة جديدة، وأنّها الآن في طور دراسة الأبعاد الاقتصادية والفنية المتعلقة بالموضوع.

المطالبة بعودة خدمة العلم جاءت في سياق جملة من الأسباب أبرزها الشعور لدى الجهات الرسمية، بناء على دراسات موثقة، بخطورة التراجع في القيم الوطنية لدى جيل الشباب، وأيضاً في سياق نمو الهويات الفرعية وتراجع الجوامع الثقافية الوطنية، وانفجار العنف الاجتماعي وغياب الانضباط والالتزام لدى جيل الشباب الذي يعاني الأمرّين.

في تبرير استعادة خدمة العلم يتم التذكير بالنتائج الإيجابية المترتبة عليها، من قبل التيار المطالب بها، وفي مقدمة ذلك أنّها كانت أداة مهمة للانصهار الوطني في المستويات كافة، أي إضعاف الهويات الفرعية لصالح الهوية الوطنية، والتأكيد على المساواة القانونية والمدنية مقابل الفجوة الطبقية المتنامية، وأخيراً قيم الانضباطية والالتزام واحترام الآخرين، وجميعها قيم تعززها الخدمة العسكرية لدى جيل الشباب.

ربما يكون هذا التوصيف صحيحاً، بشرط أن تدرس الفكرة جيّداً، وتتلافى السلبيات التي أحاطت بتطبيقها خلال العقود السابقة، ويؤخذ بعين الاعتبار أهمية تحديد المدة الزمنية وتقليصها، والربط بين المجال العسكري والمدني فيها، وتقنين القيم التي تمثل الأهداف الرئيسه لها.

لكن، ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنّ إلقاء الحمل كله على "خدمة العلم" وكأنّها كانت الحصن الرئيس للوطنية الأردنية وبإلغائها برزت كل هذه المشكلات، فهذا توصيف غير دقيق وليس موضوعياً، ويقفز على متغيرات كثيرة على درجة أكبر من الأهمية والخطورة.

قبل خدمة العلم كانت المدارس الحكومية في حال أفضل بكثير من اللحظة الراهنة، وشكّل التعليم العام، سواء في مكانة المعلمين أو المناهج والأنظمة المعمول بها، أداة مهمة جداً في الارتقاء بمستوى الطلبة وهويتهم الوطنية السياسية وروح الانضباط لديهم ونمو القيم التربوية الأخلاقية وتعزيزها لديهم.

بالضرورة، لم يكن مستوى التعليم الحكومي متسقاً، ولا على درجة واحدة، بل كان متفاوتاً، لكن بلا شك كانت حالته أفضل بكثير من الواقع الحالي، سواء بمكانة الأساتذة ومستواهم وإخلاصهم لعملهم أو العلاقة مع الطلاب أو في زرع القيم الوطنية والأخلاقية لديهم.

أحسب أن السبب الرئيس للانهيارات الحالية يعود للتعليم العام أكثر بكثير من خدمة العلم، وهو المعقل الحقيقي الذي أصبنا من خلاله، وأفقدنا جزءاً كبيراً من رأس مالنا الوطني، فضلاً عمّا مثله تراجعه من عبء مالي كبير على الطبقة الوسطى، التي اضطرت إلى تدريس أبنائها في مدارس خاصة ما زاد الضغوط المالية والاقتصادية عليها خلال السنوات الأخيرة.

استعادة التعليم العام وتطويره وتأهيله مرّة أخرى بمثابة الخطوة الأساسية الحقيقية في بناء الوطنية الأردنية وتوجيه جيل الشباب الجديد وترسيخ القيم الوطنية والأخلاقية، بدءاً من الطابور الصباحي والإذاعة المدرسية وصولاً إلى النشاطات اللامنهجية والفن والموسيقى والرياضة والمسابقات الثقافية.

إلى اليوم ما أزال مديناً لمدرسة التطبيقات النموذجية الحكومية في جبل الحسين، حيث درست من الصف الخامس إلى المرحلة الثانوية، قبل أن أنتقل إلى كلية الحسين.

وفي استعادة ذكريات تلك المرحلة إلى الآن لا أجد ما يمكن أن يخدش صورة أي أستاذ قام بتدريسنا وتعليمنا، جميعهم كانوا قدوة وفرساناً حقيقيين في أهم ميادين البناء الوطني، وكان الطابور الصباحي وحده مدرسة وطنية وأخلاقية، والنشاطات اللامنهجية أداة واسعة لملء الفراغ وتعزيز مفهوم العمل التطوعي. أحسب أن تعميم نموذج التطبيقات في مرحلة الثمانينيات كفيل بإحداث ثورة حقيقية في مستقبل مجتمعاتنا وبلادنا.

m.aburumman@alghad.jo

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العمل التطوعي (كفاح)

    الجمعة 17 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    مقال أكثر من متميز، أتمنى أن تركز المدارس على العمل التطوعي ويكون هدا من ضمن المناهج الأساسية وتكون له درجات ويحسب من تقييم الطالب، أن زرعه في نفوس أبنائنا هو التطور والنجاح.
  • »الطابور الصباحي (محمد أبو رمان)

    الجمعة 17 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    أخي مروان أعلم تماما أنه لا يوجد طابور صباحي في المدارس بأوروبا والولايات المتحدة، لكن ذلك لا يعني أن فكرته سيئة وأنه مجرد غسيل دماغ وعنتريات من الأساتذة والإدارة، بل أعتقد أنه عنوان رئيس في حال جاء بصيغة جيدة وإيجابية على تعليم الالتزام بالوقت والانضباط واحترام النظام، والإذاعة الصباحية هي أيضا مستوى من المسؤولية المبكرة للطلاب.
    الفكرة الجيدة يمكن أن تصبح سيئة إذا كان تطبيقها خاطئاً، ووجود ممارسات خاطئة في الطابور الصباحي لا يعني أن الفكرة سيئة، بل على العكس أعتقد أنها من الناحية التربوية إيجابية وجيدة.
    بالمناسبة، هنالك اليوم مراجعة واسعة في الولايات المتحدة لاحوال التعليم والتدريس ومقارنة بالتجربة الآسيوية بخاصة الصينية واليابانية، بخاصة في مجال الجدية والانضباط.
    وأعتقد أنه يمكن الإفادة من التجربتين في حقول مختلفة، وبما يتناسب مع طموحنا التربوي والتعليمي.
  • »الناس فقدو السيطرة على مجريات حياتهم (محمد الصمادي)

    الجمعة 17 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    خدمة العلم كانت بعد الدراسة الجامعية ولذلك لا يمكن إلقاء اللائمة على خدمة العلم في إهتمامات الجيل المدرسي والجامعي الحالية والتي أقل ما يمكن القول عنها أنها دون المستوى المطلوب. برأيي أن العلاج يبدأ بالمدرسة كما أشار الكاتب المحترم وأيضاً بترويض النزعة الإستهلاكية التي طغت على المجتمع وجرفت به كما يجرف الطوفان ما أمامه. أيضأ لا يمكن إغفال عمل الأمهات وما لذلك من تأثير تربوي على إهتمامات الأبنا ومتابعة الأهالي لهم مما يعيدنا أيضاً إلى الوضع الإقتصادي المتدهور الذي حتم على كل الأبوين العمل. انها شبكة متشابكة وكأنها تفاعل تسلسلي لا يمكن إيقافه.
  • »الأستفادة من العطل الصبفية للمرحلة الثانوية (د. عبدالله عقروق /فلوريدا)

    الجمعة 17 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    شكرا استاذ محمد على طرح فكرة خدمة العلم . اأنا أؤيدالفكرة لانها مفيدة لخدمة الوطن وصقل شبابنا ليكونوارجالا اشداء حين يتطلب الدفاع عن الوطن .وحبذا لو تفكر الدولة الأستفادة من عطل الأجازة المدرسية خلال المرحلة الثانوية .. ولو قمنا بتدريب طلاب المرحلة الثانوية شهران في نهاية كل عطلة صيفية لثلاث سنوات متتالية . وثم سنة كاملة بعد تخرجهم من الصفوف الثانويةوقبل ذهابهم الى الجامعات ., نكون بذلك استفدنا من العطل الصيفية ، وأخرنا التحاقهم الى الجامعات سنة واحدة فقط.وهذا يعطيهم فرصة اذا رغبوا الألتحاق بالقوات المسلحة ، ودخول الكلية الحربية ليتخرجوا منها ضباطا في اي فرع من القوات السلحة . ان العملية هذه ستخفض من البطالة كثيرا
  • »الطابور الصباحي وحده مدرسة وطنية وأخلاقية؟!!! (مروان أولا)

    الجمعة 17 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    ما علاقة طابور الصباح -بكل ما فيه من تحويل الطلاب إلى طراطير- بالمستوى العلمي و الأخلاقي و الإبداعي للمساخيط الذين يقفون فيه؟!

    حسبك مدارس أوروبا و أمريكا... لا يوجد طابور صباح و لا تمثيل و تهريج و غسيل دماغ أيديولوجي، و لكنهم قوم ناجحون بكل المقاييس.
  • »أصبت ... التعليم ركن اخر (معاذ سالم)

    الجمعة 17 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    تعليقاً على الفاضل محمد أبو رمان الذي يتحفنا دوماً بالكتابات التي تضع اليد على الجرح, أؤكد كلامك سيدي بأن منظومة القيم اهتزَت ومن أسباب الاهتزاز ضعف التعليم, واتفق أيضاً معك بشأن أن خدمة العلم مصنع للانضباط والقضاء على الفوارق الطبقية وتوحيد الولاء وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة بدلا من النموات الشاذة للهويات الفرعية, ولكن الا تتفق معي بأن المعلمين الذين هم عماد العملية التربوية لا يعيشون أفضل أيامهم وفي الواقع هم يعانون الأمرَن اقتصادياً وهذا مؤثر سلبي مباشر على العملية التربوية. كما يجب التأكيد على نبذ أي عناصر تفريق بين أخوة الدم والدين واللغة وتوحيد التوجَه نحو التعريف الصحيح للعدو ورفع المحتوى الثقافي للخدمة العسكرية بالأضافة لربطها بالخدمة المدنية ومن طرق ذلك تعزيز ثقافة التطوع والانتباه للبعد الاجتماعي المميز التأثير على قلوب الناس, وليس أدلَ على ذلك من تعزيز العمل الجماعي الاجتماعي الطابع وصبغه بالصفة العسكرية المنضبطة ولكن القوية الشكيمة عندما يتعلق الأمر بالأوطان وتعريفها!!