أسرى خارج الأقفاص!

تم نشره في الثلاثاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

يا له من صديق خبيث؛ فقد واتته فكرة جهنمية أدهشتنا جميعا، نحن رهط الأصدقاء المتحلقين حوله، وعبثت فكرته بأوتار المكر في عقولنا الغضة، فسارعنا إلى إخراج العصفور من القفص، وأوثقنا قدميه بخيط طويل ينتهي طرفه بين أيدينا!

في البداية لم يصدق العصفور المسكين أنه بات حراً، فوقف مرتبكا، وتلفت حوله مرات عدة، لكن حين تأكد من فارق المسافة بيننا وبينه، جازف بالارتفاع، رويدا رويدا..

غير أنه ما لبث أن اصطدم بالفراغ، ولم يعد قادرا على الارتفاع أكثر، بعد أن استنزف الخيط المتاح له كاملا!

ازداد اضطرابه، لا سيّما وأنه أحس بأنه امتلك الحرية بين جناحيه، فراح يخضهما بعنف، وكأنه يطير للمرة الأولى في حياته، لكن عبثا، فقد كان الخيط يسور قدميه، فيكبح اندفاعه الفطري.

مرّ سرب عصافير من فوقه، فماج دمه، واندفعت زقزقاته كسيل عارم من الهذيان المحموم، واستجمع ما تبقى من قواه، أملا في الانعتاق الأخير، غير أنه أخفق للمرة الألف.

من جهتنا، فقد استهوتنا اللعبة، وأعجبنا هذا الوهم الذي استلب عقل عصفورنا المسكين، فاعتقد بأنه استعاد حريته كاملة، من دون أن يدري أنه ما يزال رهن عبثنا ..

كان يقف على تخوم الحرية التي أضحت على مرمى جناح واحد من أحلامه بالانعتاق، ومن آماله بالتحرر من ذاكرة القفص التي استوطنت خلاياه زمنا طويلا، حتى ذبل ريشه، وضمر جناحاه، لكنه لم يكن يدري أن للقفص، على الدوام، امتدادات أخرى غير القضبان..

امتدادات لا تبدأ بالخيط الذي يقيد قدميه، فقط، ولا بالوهم الذي يعد، هو الآخر، من أشد أدوات التعذيب تنكيلا، لأنه يؤلف قفصا هلاميّ القضبان، لا تبصره العيون والمدارك، بل تشعر بلظاه الروح المندفعة فرحا بمعانقة الحرية، فيكون وقع الصدمة مضاعفا، لأنه ينطوي على تحطيم الروح، ذاتها، وعلى جملة خيبات ليس أقلها القبض على الهباء، وعبّ المرارة في الحلوق المتصحرة من شدة الانتكاسة.

والحال أن الوهم سلاح فتاك توظفه عقول جهنمية، مولعة بكسر الإرادات، على غرار ما كان يفعله علماء النازية، ببعض الأسرى، إذ عمدوا، في إحدى المرات إلى حقن أسير بإبرة معبأة بالماء، وأقنعوه أن السائل هو عبارة عن سم بطيء، سوف يسري في دمه خلال أربع وعشرين ساعة، ومن ثم، وبعد أن يبلغ السم مداه الأخير فسيموت الأسير، وحددوا له ساعة معينة لموته، في اليوم التالي، وبالفعل فقد مات الأسير المسكين، في الساعة المحددة، لا من شدة السمّ بل من شدة الوهم الذي سرى في دمه، فأقنع سائر أعضاء الجسد والروح ذاتها، بأن السم حقيقي، وهيأها لاستقبال الموت في الساعة المعينة لذلك.

ونحن، أيضا، لم نكن ندري، حين كنا، صغارا، مبلغ جريمتنا بحق ذلك العصفور المسكين، الذي أوهمناه بحريته، وباستعادة قدرته على التحليق، وجعلناه يراوح في "فلك" معادلة القهر القائلة: "لا معلق ولا مطلق".

ولا أدري إذا ما كان الربّ قد انتقم منا الآن، بعد أن كبرنا، فأصبحنا نشاهد أقدامنا، نحن أيضا، موثوقة إلى حبال ربما كانت أقصر من خيط ذلك العصفور الضحية، ومشدودة بأيد هلامية تزاول "عبقرية" الشد والرخي، حسب الحالة، والوضع الراهن، و"مقتضيات المرحلة"!

أي "فلك" من وهم الانعتاق نعيشه الآن؟.. ما الذي يشدنا إلى الخلف كلما ظننا أننا تخلصنا من ذاكرة "الأقفاص" وهيأنا أجنحتنا للتحليق، وما الذي تصطدم رؤوسنا فيه، بالضبط، كلما حاولنا أن نرفع قاماتنا أكثر، ومن الذي يمسك تلك الخيوط، بالتحديد، ويتلاعب بأرواحنا ومصائرنا، كيف شاءت له أفكاره الماكرة؟

هل بوسعك أن تجيب أيها العصفور المسكين؟

basel.talouzi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سبحانك ربي (عبسي)

    الثلاثاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    سبحانك كل الاشياء رضيت سوى الذل
    وأن يوضع قلبي في قفص في بيت السلطان
    وقنعت يكون نصيبي في الدنيا كنصيب الطير
    ولكن سبحانك حتى الطير لها أوطان وتعود
    إليها أنا لازلت أطير
    فهـــذا الوطن الممتــــــد من البحر إلى البحر
    سجون متلاصقة سجان يمسك سجان
  • »احزنني ذلك العصفور الساذج (ابو قصي المغترب)

    الثلاثاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    للخيوط أنواع منها الخيط العادي ومنها خيط بلون مائي (مصيص) حتى لا يراه احد وهو يداعب الخيط ويتفنن به (كمسرح العرائس المصرية)- الخيط سيدي يرتفع دائما بحالتين فقط وهما عندما يرغب (الماكر) برفعه مصلحة له او عندما تغفو احد عيناه فتنبه الثانية لها وتوقظها إيذانا بشد الحبل من جديد لأنه تمادى للإمتدادات الأخرى التي لم يلمسها بعد - نعم سيدي الكاتب جميعنا مستفزون من فكرة الخوف من الكلمة ومستفزون من اننا ما زلنا نطالب بالحرية والعالم مضى لأبعد بكثير - ونستمتع ونبكي بنفس الوقت عند متابعتنا لرقص الطيور الأخرى التي هي ربما تعتبر رقصها طبيعة في خلقها - وأما نحن فعصفورنا نادر الوجود - وللأسف هناك كثير منا آمنوا بالخيط وصاحبه وفي ذلك منفعة لهم فهم وكلماتهم طيور تطير كيفما شاءت وعلى أي ارض ارادت بما أنها تصلي وتركع لصاحب فكرة الخيط الماكر .

    مع تمنيات لك أن تتمدد الكلمات لتصل لأبعد من الفضاء المنظور.
    اخوكم ابو قصي
  • »قال العصفور أني ابكي لحالكم لآنكم في قفص كبير..ففاقد الشيء لا يعطيه (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    لو نطق العصفور المسكين لقال انت شبكتم خيطكم حول قدمي لتوهموني اني منطلق نحو حريتي .وفعلا أحسست بهذا الأحساس ، وسررت له ، وفي الوقت ذاته بكيت بكاءا مرا على حهلكم ..أنتم لم تجعلوني اطير اكثر من مد ى طول حبلي لآنكم أنتم ضمن قفص لا يمكنكم الخروج منه لتعطوني بعض الأمتار لأطير اعلى ..ففاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه .ولكن اشكركم أنكم منحتوني حرية الطيران قليلا ..الويل لكم أنتم فستبقون في اقفاصكم طول عمركم لأن قادتكم قد أوهموكم بالسم ، ولكنهم اعلموكم أن موتكم يأخذ سنين لتتعذبون .وانا اتحداكم كلكم من يقوى ان يرفع صوته ويقاوم هذاالسجن الكبير؟ من منكم سيشمر عن ذراعيه ليثأر للحال الذي انتم عليه ؟ من منكم سيشعر ببصيص من الحرية ، كما فعلتم بي ؟
    ولأنكم ستسيرون خلفه، لآنه ليس لكم بديلا أخرا حتى لو قادكم لتخوضون حربا مع عدو فتاك يريد قتلكم لآتكم اصبحتم عبئا على مخطاط من خلف هذا الجهاز من الطرف الثاني ..كأنكم خلقتكم لتكونون المقاتلين لأهداف عدوكم الذي يحتبيء وراء جهازه في الطرف الأخر ، وهو يبيعكم سلاحه الفاسد ، والذت انتهت صلاحيته ، ويأخذ دولاراتكم ويملاء خزائنه ، ويعطيم فيما بعد الفتات لتعيشون بها بانتظار السم أن يأخذ مفعوله في اجسادكم ، هذا اذا سلمتم من الموت في المعركة .