جمانة غنيمات

"كل عام وأنت بخير مدام"

تم نشره في الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً

لدى كل واحد منا حادثة وتجربة تعكس استسهال قبول وطلب الرشوة قلت قيمتها أم علت.

ما حدث معي عقب العطلة الرسمية لعيد الأضحى المبارك أن بادر أحد موظفي القطاعات الرسمية الخدمية بمثل هذا الفعل، حينما بادر بالتحية مكررا مقولة "كل عام وأنت بخير مدام" كأسلوب غير مباشر لطلب المساعدة المالية.

ولا أنكر أنني تفاجأت من الطريقة التي اتبعها صديقنا لتحقيق هدفه، من دون أن يرف له جفن، ويفكر للحظة ولو قليلا بأن ما يقوم به ليس إلا طلبا للرشوة بطريقة مهذبة.

وقد يكون صديقنا لا يدرك سوء ما يفعل، ولم يفكر للحظة واحدة أنه ارتكب جريمة بحق مجتمعه وعائلته ونفسه قبل كل شيء، حين ظن أن فعلته عادية ومقبولة، معللا نفسه بحاجته الماسة إلى نقود يسد بها بعض احتياجاته.

فبعد أن تزايدت الضغوط الاقتصادية ولمست شرائح واسعة من المجتمع تدنيا ملحوظا في مستوى معيشتها وعجز العديد من أرباب الأسر عن تلبية احتياجات عائلاتهم، بتنا نشهد اتساع حالة استسهال وتقبل من قبل عديدين بقبول رشوة أو طلبها ما صغر منها وما كبر.

وصرنا نتعايش بشكل يومي مع ممارسات يأتي بها البعض لتحقيق مكاسب مالية، يبررون لأنفسهم الحصول عليها من دون أي رادع بحجة صعوبة العيش وآمالهم بتحسين إمكاناتهم في توفير مستلزمات الحياة اليومية التي لم تعد مداخيلهم المحدودة قادرة على الوفاء بها.

وتتعاظم حالة استسهال قبول وطلب الرشوة ويزداد تقبل المجتمع لها وسط الحديث عن الفساد الكبير وضعف محاربته ومحاسبة من يقترفونه، بالتزامن مع ضياع الكثير من القيم التي تربى عليها المجتمع الأردني الرافض لأشكال الفساد مهما كانت وكيفما قدمت. ولكن النهج الجديد يكشف عن قبول هذا السلوك من دون تردد بهدف تحصيل حفنة دنانير، من خلال استخدام عبارات محددة تفتح الطريق للحصول على بعض منها بطريقة لا تحرج صاحبها في حال لم يحقق ما يصبو إليه.

كلمات تحصيل هذا المال غير المشروع كثيرة؛ مثل ترديد عبارة "كل عام وأنت بخير"، وفي الطرف الثاني من المعادلة ثمة عبارات يرددها فريق آخر لتحقيق مآرب ومنافع خاصة لهم كتيسير معاملة واختصار روتين ممل في إنجاز معاملاتهم.

بيد أن عبارات هذا الفريق تختلف عن الأول إذ يرددون جملا مثل "عيدية للأولاد" و"النبي قبل الهدية" لجعل هذه الممارسة السلبية مقبولة مجتمعيا رغم أنها بداية الهدم والدمار لنظام القيم التي تحكم سير الأمور في مجتمع طالما رفض واستهزأ بمثل هذا الفعل. الحال المتردية التي وصلناها في هذا المجال لا تنبئ بخير، وتؤسس لجعل الأردن كدول أخرى طالما تحدثنا عن مسلكيات عامليها بقرف واشمئزاز، فمنذ متى يقبل الأردنيون هذه الأفعال التي تعكس خللا نفسيا وبنيويا في المنظومة الأخلاقية والقيمية التي تحكم العمل أينما وجد في القطاعين العام والخاص. والعلاج يتطلب تضافر جهود شعبية ورسمية بحيث يبدأ العلاج قبل أن يستعصي الداء، لوضع حد للمشكلة يبدأ من دور العبادة ولا ينتهي بالمدرسة التي تغرس قيما لا تبور ولا تجف مهما تعقد الحال وصعبت الظروف الاقتصادية، إذ أن فقدان هذه القيم ليس له إلا معنى واحد؛ فقدان تقدير الفرد لذاته.

ومحاصرة التوسع لهذه الظاهرة يتطلب من الجهات الرسمية فرض رقابة حثيثة وتشديد العقوبات على من يمارس مثل هذا الفعل، وخلق ثقافة مجتمعية ترفضه وتدينه للحد منها قدر المستطاع.

ودفع عجلة الاقتصاد وفق خطة زمنية مدروسة لتحسين معدلات المداخيل بدرجات تتناسب مع معدلات الأسعار، يساعد في التخلص من الحجج التي يسوغها البعض لأنفسهم لممارسة مثل هذه الأفعال.

jumana.ghunaimat@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »زمن الماضي الجميل المفقود (عامر التلاوي)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    اشكر الكاتبه جمانه غنيمات على مقالتها " كل عام وانت بخير مدام" لا اعرف عزيزتي الكاتبه كيف حكمت على ذلك الشخص بانه يستجدي منك او يطلب رشوة بمجرد ان قال لك " كل عام وانت بخير" ام اصبحت الكلمات والعبارات التي نقولها ونسمعها مقولبة في معناها ؟؟ كثير من الناس يباركون ويهنئون بعضهم البعض في الاعياد وهذه سنه حسنة وطيبة ولا غبار عليها واحيانا حتى الاشخاص الذين لا نعرفهم من قبل قد نصادفهم يوم العيد ونبارك لهم بالعيد . للاسف اصبحنا في زمن تتقولب وتتشقلب فيه الكلمات والمعاني واصبح الواحد منا يخرج كلماته بتصنع وتكلف واصبحت العفوية والبساطة من زمن الماضي الجميل حتى الابتسامة تفسر من بعض الناس على انها قلة ادب لا اعرف ما هو هذا الزمن الذي اصبحت فيه الكشره عنوانا للهيبه والرجولة والرزانه . اما الرشوة والاستجداء فهي بالطبع مرفوضة جملة وتفصيلا من طابع ديني واخلاقي واجتماعي وكل من يطلب الرشوة ويستجدي عليه الاثم وعلى الجهات ذات العلاقة محاسبته بالطرق القانونية .وعلينا ان ننتظر قليلا قبل الحكم على المتهم حتى تثبت ادانته
  • »هذه بعض نتائج الفساد وهدر الأموال (حسام خندقجي)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    بإختصار شديد هذه هي بعض نتائج الفساد وهدر الأموال العامة والخاصة والتي تحدثت عنها كثيرا يا أخت جمانة بغض النظر عن التسمية (تسول أم إستجداء أم فساد) .. وفقك الله.
  • »لو اصاب الناس السنة (nadia bakeer)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    لو اصاب الناس السنة لادخلت على اهل كل بيت مثلهم فان الناس لن يهلكوا على انصاف بطونهم رضي الله عن عمر لقد اصاب الناس السنة فنجد عندنا ثراء واسراف تفغر له افواه مواطني الدول الغنية ونجد فقر مدقع تدمع له عيونهم ايضا وكل فقير يجوع عندنا يقابله غني ينفق مئات الالوف على مظاهر ونفاق
    اجتماعي وقد ينفقها خارج البلاد بما لا ينفع البلد واهله وينسى انه ما من اهل عرصة يبيتون ويبيت فيهم جائع الا برئت منهم ذمة الله فكم واحد فينا لم تبرأ منه ذمة الله؟؟؟
  • »الدولة ، وبعض الأجهزة الأمنية هما المسؤولان عن هذا (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    سيدتي الفاضلة فأنا أعتبرك علامة الأردن في النواحي الأقتصادية ..ومرات عديدة ذكرت لك في تعاليقي انه اذا تكلمت جمانه ينصت لها الجميع ..ودوما اتزود منك العلم والمعرفة ..اليوم سأخالفك الرأي ، وسأدافع عن هذه الشريحة التي تطلب حسنات لسد مصاريف بيوتهم ، ووضع بعض الطعام على موائد اطفالهم ..أنت أدرى الناس يتدني الرواتب ، وبالغلاء الفاحش في سعر البصل والبندورة والعدس الذي يعيشون عليه هؤلاء المساكين ..ليس من السهل أن يمد الأردني يده للشحدة .ولكنه بين أمرين .، الا يتعشى أولاده أو أن يشحد
    الدولة وكافة الوزارات التي تعاقبت على الأردن في السنوات الأخيرة، مع تقاعس بعض دوائر الدولة الأمنية هما السبب المباشر ..وأنا في البداية قلت ، وأقول اليوم أن الغلاء عندنا مفتعل ، كان بابمكان الدولة امتصاص الغلاء العالمي ، لو أرادت ، بتغطية اسعار الأشياء الضرورية كبودرة الحليب ، والآرز ، والعدس ، وكافة الحبوب والبقول وغيرها..ولكنها لم تفعل .. فجاع الكثير .