بين إخوان مصر والأردن

تم نشره في الخميس 14 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

هي صدفة أن تجرى الانتخابات البرلمانية في مصر والأردن هذا العام، لكن المفارقة موقف الإخوان في مصر من الانتخابات مقارنة بموقف الإخوان في الأردن منها؛ حيث قرر إخوان مصر المشاركة بالانتخابات بينما قررت جماعة الإخوان وجبهة العمل الإسلامي ليس مقاطعة الانتخابات فقط وإنما تنظيم الجهود لحث الآخرين على ذلك.

الملاحظة الأولى هي أن الموقف من الانتخابات في كلتا الحالتين كان نتيجة قرار ديمقراطي حسب ما تم الإعلان عنه بالرجوع لقواعد الجماعة، حيث كان قرار كل منها بالإجماع سواء من حيث المشاركة كما في حالة مصر أو المقاطعة كما في الأردن.

الملاحظة الثانية هي أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر غير معترف بها كتنظيم سياسي في مصر لا بل إنها جماعة محظورة وتتم محاربتها ومطاردة أعضائها على مستوى القيادة والقاعدة على حد سواء. ورغم استمرار عقود من المنع والمضايقات والسجن، فإن قواعد الإخوان وبأغلبية مطلقة صوتت لخيار المشاركة في الانتخابات المقبلة.

إن قرار مشاركة إخوان مصر هو قرار استراتيجي، لأن هناك قناعة بأنه لا يمكن للإخوان التأثير على مجريات العملية السياسية إن هم بقوا في الخارج ولم ينخرطوا بالعملية السياسية. بالإضافة إلى ذلك فإن المشاركة بالانتخابات في البرلمان هي السبيل الوحيد لهم للحصول على المشروعية السياسية كحزب فاعل، وذلك من خلال إظهار قوتهم وحجم الدعم لهم بالشارع واستخدام البرلمان ليعبروا من خلاله عن مواقفهم حيال القضايا المختلفة. بالمقابل فإن جماعة الإخوان في الأردن وذراعهم السياسية جبهة العمل الإسلامي قررتا مقاطعة الانتخابات البرلمانية وعممتا على أعضائهما بعدم المشاركة ترشيحا وتصويتا. جماعة الإخوان في الأردن لا تسعى للحصول على المشروعية، فهي حاصلة عليها سياسيا وقانونيا منذ أكثر من ستة عقود وكانت شريكا للدولة لفترة زمنية طويلة.

يبدو أن هذا الإرث التاريخي هو الذي أوحى للجماعة بأنها قادرة أن تضع شروطها للمشاركة في الانتخابات البرلمانية، ولكن هذه الشروط كانت صعبة التحقيق من دون تأجيل الانتخابات وهذا ما رفضته الحكومة. إن قرار المقاطعة الأولي كان تكتيكا سياسيا بارعا لأنه حقق عدة أهداف للجماعة والحزب، كالحفاظ على وحدة الجماعة والتعبئة الجماهيرية ولكن المضي قدما في المقاطعة قد يكون خطأ استراتيجيا قد تدفع ثمنه الجماعة في المستقبل في علاقتها مع الدولة والمجتمع بشكل عام. ومما لا شك فيه أن الجماعة والحزب قد أخذا هذه المسألة بعين الاعتبار، ولكن يبدو أن الجماعة قد وصلت إلى نهاية الطريق مع اللعبة الديمقراطية حيث إنها لم تعد قادرة لأن تكون لاعبا أساسيا في صنع القرار وآثرت نتيجة هذا الإحباط عدم المشاركة في الانتخابات والمحافظة على المشروعية المعنوية والسياسية من قبل ناخبيها.

الخلاصة أن قرار المشاركة في حالة مصر والمقاطعة في حالة الأردن حكمته الظروف والمعطيات الوطنية لكل منهما وأن مواقف الإخوان حيال وضع كهذا لم تكن موحدة بقرار من التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، وهذا يعني أن جماعة الإخوان وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الوطنية تتحول تدريجيا من حزب عقائدي عالمي إلى حزب يعمل على المستوى الوطني وأن التحول الديمقراطي يشكل تحديا للأحزاب العقائدية كالأحزاب الدينية ودفعها باتجاه برامج أكثر واقعية. لم يحدث هذا التحول بعد ولكن إرهاصاته أصبحت أكثر من واضحة.

musa.shtewi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال حكيم جداً (زائر)

    الخميس 14 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    المقال يعبر عن بعد نظر عميق في دراسة موضوع البحث.
    بارك الله فيك وكثر من أمثالك
  • »اختلاف البرامج الحزبية بين جماعة الاخوان المسلمين (amal alkhaledy)

    الخميس 14 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    اشكر الكاتب د. موسى شتيوي على هذا المقال
    ان حركة المعارضة الاسلامية الاهم في مصر اصبحت غير قادرة في السير على دروب الاسلاميين كما في الدول العربية الاخرى الذين فصلوا بين الديني الدعوي والسياسي المدني والذين اسسوا احزاب وجمعيات تمارس العمل السياسي فقط وتبحث عن الاستراتيجيات الامثل للتعامل مع بيئات ضاغطة وان كان الامر هنا لا يرتبط برؤى الاخوان بل يتعداها الى موقف نخبة الحكم الرافض لوجودهم كفاعل شرعي بالحياة السياسية لا لرماديتهم بل خوفا من قدرتهم على المنافسة التي تبدو لي مختلفة هذه المرة بحيث ان البرنامج الحزبي لجماعة الاخوان في مصر يقدم افكارا حول الحرية الدينية وحرية التعبير والسياسية التعددية وحقوق الملكية ومنح الحقوق السياسية للمراة ولكنه يدعو ايضا الى انشاء هيئة رقابة غير دستورية وهي نقطة الخلاف وهو ما يمثل ارتداد عن المواقف المعتدلة لقيادات حركة الاخوان المسلمين في السنوات الاخيرة
  • »استراتيجيات اخوانية (ناصر محمد أبو عين)

    الخميس 14 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    الدكتور موسى شتيوي، اعتقد أن المفارقة بين الموقفين المختلفين لأبناء الحركة الواحدة جاءت لاختلاف المطالب أولا ثم دور السلطة في تلقي تلك المطالب، وأرى أن كلا القرارين الصادرين عن أخوان مصر والأردن استراتيجي سياسي بحت يهدف لخدمة الوضع السياسي للحركة.