حنان كامل الشيخ

عروسة زعتر

تم نشره في الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

ضحكت من قلبي وأنا أستمع لرواية صديق، وهو يخبرنا في سهرة عائلية عن تجلي معنى الوحدة الوطنية في الأردن بأبهى صورة، من خلال "التبادل الغذائي" الذي كان يمارسه يوميا، مع جاره في الحارة القديمة في محافظة الزرقاء.

فصديقنا الطيب، ابن الناس الطيبين، لم يكن يفهم قبل أربعين عاما، لماذا كان يصرف لبعض العائلات دونا عن البقية، علب السردين واللحم المحفوظ والبسكويت المحلى والجبنة المثلثات؟!

بل إن تساؤلاته تلك كانت تتطور الى صراخ وغضب لأنه وأقرانه الآخرين لا يحصلون على تلك "الأعطيات" اللذيذة، رغم أنهم يسكنون في نفس الحي، تحت نفس الظروف المعيشية والاجتماعية تقريبا. لكنه وبعد مدة قصيرة فهم ماذا يدور حوله، عندما أمسكه والده من يده و أجلسه الى جانبه على دكة باب الدار، وروى له قصة شعب تشرد من بلاده تحت وطأة السلاح الاسرائيلي، وتواطؤ الذخيرة العربية!

يقول صديقنا إنه وقتها، تأثر جدا بالرواية الحزينة، لكن مع طلوع أول نهار عليها نسي حشرجة صوت أبيه، وتذكر أن عليه البدء بتنفيذ الخطة التي كان قد اتفق عليها مع جاره "المحظوظ".

فقام من فوره إلى غرفة الخزين، حيث مرطبانات الخير البلدي الذي كانت تعده والدته مع شقيقاتها كل عام، في قريتهم قبيل عودتهم الى الزرقاء، المربيات والمخللات والزيتون و"اللبنة المكعبلة"، تلك التي فتح غطاءها بكل روية، وتناول ثلاث حبات منها وأغلق الغطاء بسرعة، ولفها في ورقة معدة خصيصا لتلك المهمة، ثم ركض الى خارج البيت قبل أن يكتشف أمره، ليلقى صديقه الذي كان قد سبقه تحت احدى الشجرات، حيث محطة التسليم النهائية، ثلاث كرات من اللبنة البلدية، مقابل ثلاث حبات من الجبن المثلثات!

المضحك أن براءة الأطفال في تلك الأيام لم تكن تلتفت للتفاصيل البدهية، مثل ضرورة جلب رغيف خبز واحد على الأقل، للتمتع بالوجبات المتبادلة. لأنه -أي صديقنا- ختم حكايته الجميلة بأن طعما مختلفا كان ينتج عن اختلاط الطعام، في جلسة تحت الشجرة كانت تطول لساعات، بينما الاهل يبحثون عن السارقين الصغيرين ويتوعدانهما بالضرب حتى ساعة المغيب.

اليوم وأنا أتذكر طفولتي في الكويت، وعزومة الافطار العربية المشتركة، التي كنا نعدها في فرصة المدرسة، حيث الزعتر البلدي والزيت العجلوني والجبنة النابلسية والمقدوس الشامي وشطائرالمربى المصرية واللقيمات الكويتية، والكيكة الطيبة التي ينفع أن تنتسب لأي جنسية عربية، أفتقد كثيرا تلك الخلطة السرية في التعايش المرهون بالحب والوفاق والتوفيق.

اليوم وأنا أرقب ساندويشات أولادي، وهي تعود معهم في حالة يرثى لها من التمزق والتشرذم، ضمن تنفيذ أجندة الاستهتار بقيمة اللمة والجمعة على بساط الهدوء والحكي والاستماع، وتفضيل اللعب بالكرة أو بالألعاب الالكترونية المهربة، لتكون هي قاعدة ذاكرتهم القادمة.

أأسف كثيرا لذكريات ربما تكون جميلة ومضحكة وشقية وملونة وصاخبة، لكنها بالتأكيد ستفقد طعما ساحرا جدا اسمه.. العيش والملح.

hanan.alsheik@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لقاءات الشات (أبو معاوية)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    الحياة العصرية التي يعيشها أبناؤنا بعدت بيتهم و بين التجارب البكر في كل مناحي الحياة ! انهم لا يكترثون لشيئ و لا يفرحهم شيئ لأن جهازا واحدا و هوالكمبيوتر فتح لهم آفاقا من المعرفة التي يعتقدون أنهم بحاجتها! ففما حاجتهم للجمعة و اللمة كما كتبت في المقال ماداموا ياتقون و يتحادثون على الشات و الفيس بوك ! انهم يلتقون و كل واحد يبقى وحده !
  • »الى نورس المومني (عصفور)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    مساء الخير

    انت قرات العنوان فقط وربما قط لا تكون قرات مابداخله وايضاقد لا اقصدالعروس بالمعنى الحقيقي

    وجهة نظر احترمها ولكن لابد ان تكون اكثر دقة
  • »الى عصفور (نورس المومني)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    الى عصفور: تحاول في كل مرة ان تزج بالزواج قادحا لا مادحا فالله اعلم انك تعاني من الزواج او انك تعاني من عدم الزواج ولا ادري ما علاقة عروسة الزعتر بعروسة المستقبل اما انها الرغبةلديك في كتابة تعليق ينشر فقط
  • »شكرا (نرمين البيطار)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    شكرا الي الكاتبه الرائعه التي دائما اقرأ لها وشكرا الي منى حسن ذكرتينا بأيام الكويت فعلا كانت بلد كل العرب من كل الجنسيات كنا لمه وحده قلوبنا على بعض كنا في المدرسه وقت الفرصه كل وحده سندويشه شكل ومن كل الاقطار ونتبادل الاكل الان فقدنا كل شي حلو عمار يا كويت بلد الحب المحبه عمار يا كويت
  • »ذكريات عروسة الزعتر (لينا خالد)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    اعدتنايا حنان رغما عنا الى ايام طفولتنا الجميلة بل والرائعة، عندما كانت علاقاتنا حقيقية وبريئة، عندما كانت عمان مدينة صغيرة دكاكينها متشابهة شوارعها ضيقة، ولكنها جميلةوحميمة يعرف الجيران بعضهم البعض ويحنون على بعض ،كانت جارتنا لا تتهاون في معاقبتنا نحن واولادها ان اخطانا على اساس انها امناالثانية، فنبكي قليلا ولا نلبث ان نعود للهو في مكاننا المفضل (في الحارة)، كانت احلامنا صغيرة وطفولية ، لم نكن نحظى بربع ما يحظى به اولادنا هذه الايام ولكن الصورة مختلفة، فاولادنا اليوم ينعمون برفاهية مطلقة ينتقلون من مول الى آخر، ومن محل ترفيه الى غيره، وتتكدس العابهم في غرفهم لاينقصهم شيء الا انهم غير سعداء لماذا؟ لانهم لا يملكون شيء، لا يملكون حق التمتع بالاشياء على صغرها كماكنا نحن نلهوونستمتع ولو كان بين ايدينا حجارة صغيرة، وقتها كان للحياة معنى اما الان فحياتنا مجرد شوارع عريضة، سيارات فارهة، مولات ضخمة بيوت فخمة لا ينقصها شيء سوى الحياة...
  • »حلو (محمد البوريني)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    شكرا للكاتبة الرائعة على هذا المقال البسيط بأسطره و العميق بمعانييه ، وأي شي من الكويت احناحاضرين للطيبين
  • »وحدتنا الوطنية سبب قوتنا (أبو الفلافل)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    نعم يا حنان فالوحدة الوطنية بين الشعبين الأخوين تعلم درسا في التعايش الموفق كما كتبتي اليوم في مقالك ..انظري الى الحروب الطائفية و الدينية في البلاد العربية الأخرى..
    نحمد الله ألف مرة على وحدتنا تحت ظل و رعاية جلالة مليكنا أبا الحسين حفظه الله .
  • »مقال جميل (أشرف)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    مقال ممتع و قصة واقعية جميلة,,,
    فعلا ليتنا نعود لفطرة البراءة مثل زمان و نجتمع على سفرة واحدة و هو تعبير عن تكاتفنا و وحدتنا,,,
    شكرا للكاتبة التي أقرأ لها أول مرة و لكن لفت نظري العنوان
  • »رائعة انت كطفلة كالاحلامكالصباح الجميل (أعادل المغيربي)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    جميل وتعبير رائع لجميلة ورائعة الصحفية البريئة والجميلة والبريئة وهذ ما وجدته في الصورة وامني ان اكون صديقا لكم انا الاستاذ عادل المغيربي من ليبيا ماجستير في الادارة والتنظيم لالتصال الهاتف 00218928098943 برجاء الاتصال
  • »ليت ايامي بيدي وحدي فقط (ملك)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    اختلف طعم الاشياء ايتها العذبه الا توافقيني الراي..حتى سندويش الزعتر لم تعد كما الامس ..اذ يبدو ان اختلاف الزمان وتغير طبائع البشر ينعكس على اشيائنا وعاداتنا اليوميه فتتغير شيئا فشيئا تبعا لطقوس ذلك الزمان..احن الى ايام دراستي الى لمتي مع الاصحاب الى كل ما نفتقد في ايامنا هذه..البساطه وحب البشر دون انتظار لمقابل ودون نية مبيته لا يعلم بها الا الله....صباحك سكر..دام لقلمك رونق المسك والعنبر..ملك
  • »العيش والملح (Thaer Hamdan)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    من اين لك كل هذا التصور الفني الرائع حقيقة نشعر بها ولا نعرف ان نعبرها او نصوغها لان اللغة المشتركة بين الاطفال اصبحت مستوردة الكترونيا وليست كالصور الجميلة والحياة البسيطة التي طالنا منها قليل من اباؤنا واجدادنا ، هنيئا مريئا لطعم العيش والملح مع الصداقة الحقيقية بكل اطيافها.
  • »عروسة زعتر احسن من عروسة المستقبل.................. (عصفور)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    ان البحث عن الذكريات في عالم المتغيرات نوع من جلد الذات على مانحن عليه الان

    عندما يصبح تفكير الانسان منحصر بكيفية الحصول على العيش والملح وتكون الحياه اشبه بمسرحية ابطالها السياسيين, والكومبرس الناس العاديين عندها يفقد العيش والملح (الوفاء والاخلاص)

    سوف يأتي زمان يقول به اولادنا نفس الكلام ولكن بمفاهيم مختلفة ونظرة مغايرة لان القيم تتغير وقيم ابائنا ليست كالقيم الموجودة الان.

    ياريت يا يااخت حنان لو كان بتوقف على عيش وملح الموضوع اكبر بكتيير
  • »عمار يا كويت (منى حسن نمر)

    الثلاثاء 28 أيلول / سبتمبر 2010.
    أعاد الى ذهني مقال الكاتبة حنان أجمل ذكريات أيامنا الحلوة في الكويت الحبيبة، وتذكرت بهذا المقال الخفيف الجميل عروسة الزعتر التي كانت احدى بناتي الست تحبها كثيرا ولكنها منعت من التمتع بلذتها لمدة من الزمن بسبب زميلتها في الفصل التي كانت تسطو عليها بحجة رائحتها الى أن جاء يوم واستبدلت عروسة الزعتر بعروسة من الشطة، ومن يومها عادت ابنتي الى التلذذ بعروسة الزعتر المحببة اليها، عمار يا كويت كنت وما زلت بلاد العرب وموحدتهم