هل يمكن تجنب العنف في التاريخ؟

تم نشره في الخميس 9 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

 

الديمقراطية أبعد النظم السياسية عن العنف، لكن عندما تخرج أقلية ضئيلة على العملية الديمقراطية، كما حدث مؤخراً في بانكوك أو في البحرين، فإن الجهات المسؤولة لا بد أن تتحرك لضبط الأوضاع. وعندما يدرس المرء تاريخ بعض البدايات الديمقراطية، يجد أن القوى الديمقراطية الصاعدة لجأت بدايةً إلى العنف لإزاحة القوى اللاديمقراطية!

لا يسير قطار التاريخ بالسلاسة والنعومة التي يريدها المثاليون والإنسانيون والطوبائيون.. ابتداءً من أفلاطون! في تاريخ كل أمة ثمة عنف ما، بما في ذلك تاريخ العرب والمسلمين.

يمكن، لحسن الحظ، الاستفادة العاقلة من دروس التاريخ وعبره.. قلنا "العاقلة ".. أما "غير العاقلة"، والتي مردها إلى الغرائز البشرية العمياء المغروسة، للأسف، في بني آدم –وكذلك المصالح المتناقضة– فليعالجها من يود معالجتها، والتراث الإنساني في الفلسفة والتحضر والتربية وعلم النفس وعلم السياسة... الخ، حافل بمثل هذه المحاولات النبيلة والمشكورة- إن وجدت!-، وهي مجدية، بلا ريب، إن ارتبطت بالإنصاف والعدل. فالعدل أساس الملك. والمقاربات العقلانية السائدة اليوم في أوروبا تعطي أملاً، بأن البشرية يمكن أن تحل إشكالاتها دون عنف فالعلاقات بين الدول، كما بين دول أوروبا، أصبحت أقرب اليوم إلى المقاربات العقلانية. ولكن قبل الحربين العالميتين وفي نهاية القرن التاسع عشر: شاع في أوروبا شعور وانطباع "متفائل" وأهم بأن الإنسانية (الأوروبية بالطبع!) قد بلغت سن الرشد العقلي المتجاوز للعنف.

.. ثـم جاءت الحربـان العالميتان –وكانتا بين الرأسـماليات الأوروبيـة ومـن أجل "الأسـواق"-، وتكشّف الإنسان الأوروبي العقلاني "المتقدم" عن وحش كاسر.. وأخذ يدمر بأحدث وسائل التدمير الحديث ما بناه هو وأسلافه في أوروبا والعالم من مدن ومكتبات وجسور.. الخ، وأصبحت الصورة السائدة في أوروبا، وفي آسـيا كذلك، صورة "الخنـادق" المتقاتلـة و"جنودها" الجوعى المدفوع بهم إلى ساحات القتال. وأسهم الطيران "الحديث" في تدمير المدن الآهلة بالسكان على رؤوس المدنيين سواء في لندن في بدايات الحرب الثانية أو في دريسدن الألمانية في نهايتها.

عندما زرت "متحف" الضربة النووية لهيروشيما اليابانية، قبل سنوات ورأيت تأثير الإشعاع النووي الضار على الخيول البريئة والبعيدة بعداً شاسـعاً عن مكان الانفجار، ناهيك بالبشر وما حل بهم وبذريتهم، تملكني غضب شديد، أنا الذي أرى تأثير الضربة بعد سنوات طويلة (وبالمناسبة فاليابان كانت تنتظر "شـروط الاسـتسـلام" قبـل شـهور من قرار الرئيس "ترومان" ضربها بالقنبلة) الذي يبدو ثأراً لبيرل هاربر التي يقال والعهدة على الراوي، أن تشرشل شجع وقوعها لجر أميركا إلى صفه ضد ألمانيا وحليفتها الشرقية: اليابان.

والتفتّ إلى مرافقي الياباني، بعد انتهاء الجولة، أسأله: ماذا ستفعلون؟! ابتسم الابتسامة اليابانية المهذبة الغامضة.. ولم يجب!

غير أن هذا "الصمت المهذب" غير مستمر اليوم في الشرق الأقصى. فضجيج "سباق التسلح" الكثيف بين دوله، منذ أمد، مازال جارياً.. ومنه قرار تايوان، الجزيرة الصينية المنفصلة، الحصول على صفقة أسلحة أميركية بالبلايين –خلال أزمة مالية عالمية مست الجميع، ويسعى كل من لديه سلاح نافع لتحويله إلى مال لتمويل مؤسساته المهددة! الأمر الذي دفع إلى "توتر" العلاقات بين القوتين الأعظم في أيامنا وهما: الصين والولايات المتحدة. ولا تخفي اليابان والهند مخاوفهما من هذا "الصعود الصيني" الذي لا تُعلم عواقبه.. ويترقّب العالم مناوراته العسكرية في "البحر الأصفر" الذي تتنازع جزره عدة دول آسيوية!

وللتاريخ، فإن القوات اليابانية، عندما احتلت كوريا، وأجزاء من الصين في فورة الصعود "الفاشي" الياباني في حينه، أعطت المراقبين انطباعين متناقضين: الأول تحضرها، والثاني وحشيتها!.. أي أن "التحضر" لم يحجب "التوحش"!

تأمل المفكر الألماني "شبنغلر" أوضاع عالمه مع اقتراب نهاية الحرب الأولى عام 1917 وأصدر كتابه المشهور "انحطاط الغرب" The Decline of the West الذي ترجم إلى الانجليزية عام 1928، أي بعد عقد من انتهاء الحرب العظمى الأولى، وقبل عقد، تقريباً، من اندلاع الحرب العظمى الثانية، "فكل حرب تلد أخرى"، كما قيل عندنا، بعد حروب متقاربة تحتم على جيل واحد، هو جيلنا، أن يعيشها هنا في الخليج.. أما على امتداد المنطقة العربية فالحروب أكثر من أن تحصى. وقد قال الرئيس المصري السابق ، أنور السادات ، إن "حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب".. فهل ثمة ما يؤكّد ذلك!

ثمة "تصور" لدى بعض المثقفين العرب (وأخشى أنهم من النخب التي تنظر إلى الواقع بمنظار ملطّف)، وتأمل –بمجانية– نجاح المشروع الوطني الجامع، وهو مشروع مغيّب اليوم في الساحة، ما لم تنبت له أسنان سياسية وينزل إلى الواقع.

مضمون تصورها باختصار: طالما أن أمماً كثيرة مـرت بالصراع والنزاع في تطورها، ومن أجل وصولها إلى المفهوم الوطني والديمقراطي المُجْمع عليه، فلماذا يجب أن يكرر العرب "الحماقات" ذاتها من أجل ذلك؟! ألا ينظرون في هذه التجارب ويتعظون بها من دون إراقة دماء؟!

وأخشى أن هذا الطرح متأتٍ عن قياس عقلي فاسد لا ينطبق على الواقع البشري وطبيعة المجتمعات والأفراد.

لماذا ينبغي –مثلاً- أن يحرق الطفل أصابعه في النار ليعرف ضررها، وقد أحرق غيره ممن يكبرونه أصابعهم في النار ذاتها.. ولماذا لا بد أن يتعلم الزوجان أصول المعايشة بينهما طالما إن أزواجاً آخرين قد سبقوهما.. و"تعلموا" إيجاباً وسلباً.. الخ. ولماذا يجب أن يطير الطيار، تحت التدريب، بين السحب، وفي العواصف، ليتعلم الطيران، بينما سبقه آخرون.

هذه "الحالات" كلها لا تدعم ذلك التصور المثالي الطيّب لدى بعض النخب الثقافية العربية التي أدمنت قراءة الكتب دون التفات إلى الواقع؟.. هل قرأت أقلها كتب التاريخ واستوعبت واقعه؟!

في عالمنا الإسلامي والعربي اليوم، ثمة "اجتهادات" متعاكسة لكيفية إجتياز الأزمات الراهنة.. فهل يمكن أن يتم ذلك بلا صراع أو خلاف؟ نرجو ذلك..

والمواجهة بين "الإسلاميين" و"العلمانيين" في تركيا العائدة إلى محيطها التاريخي.. والمنجذبة من ناحية أخرى إلى فكرة الانضمام للنادي الأوروبي، والتجاذب الدائر بين المحافظين والإصلاحيين داخل إيران، وطموحها النووي.. السياسـي في جوهره، بينها وبين القوى الغربية..

والحرب الطاحنة الدائرة في أفغانستان وباكستان واحتمالات العنف، التي تزرع المخاوف هنا وهناك والتعنت الإسرائيلي حيال الحقوق الفلسطينية "المتبقية"..

هل هذا كله سيصل إلى نهاية سعيدة؟ نرجو ذلك!

أياً كانت الاحتمالات، فلابـد من العودة إلى "المشـروع الوطنـي الجامع" جسراً للإنقاذ، وذلك ما سنتناوله في المقالة المقبلة، إن شاء الله.

*مفكر بحريني

التعليق