هلا أعدتم النظر "بقانون تشديد العقوبات المؤقت "المسمى "قانون العقوبات المؤقت" قبل فوات الأوان؟2/2

تم نشره في الخميس 26 آب / أغسطس 2010. 02:00 صباحاً

 

نتابع الاشارة إلى أبرز صور المخالفات القانونية الجوهرية في "قانون العقوبات المؤقت"...

3 - ومن مظاهر هذه الأغلاط الجوهرية ايضا أن المشرع المؤقت قد عدّل المادة (5) من القانون الأصلي بالغاء عبارة (غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية) الواردة في آخرها والاستعاضة عنها بعبارة (غير مجرّم يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية)، والخلاف بيّن بين العبارتين المنوه عنهما بأعلاه، فعبارة (غير مجرم) تعني ان الفعل لم يجرمه القانون اصلاً لانه لا يشكل خطراً على اي حق يحميه القانون تحت طائلة التهديد بالعقاب، خلافاً لما هو عليه الحال لعبارة (غير معاقب) لأن هذه العبارة تعني بكل بساطة ان الفعل مجرم ولكنه مبرر لاقترانه بسبب من اسباب التبرير او الإباحه، والدليل على ذلك أن قانون أصول المحاكمات الجزائية قد استعمل هاتين العبارتين جنباً الى جنب وقرّر ان الحكم يكون بعدم المسؤوليه الجزائية فيهما، ومثل هذا الإسقاط سيؤدي حتماً الى اختلافات عديدة في التطبيقات القضائية مستقبلاً.

4 - ومن مظاهر الأغلاط الجوهرية القانونية أن تكرار الذم بموجب (191) من قانون العقوبات ضد احدى الجهات الرسمية، اصبح بموجب التعديل، خلافاً لما هو مسلم به قانوناً وفقهاً واجتهاداً، قد يشكل عذراً قانونياً مخففاً بدل ان يكون ظرفاً مشدداً، اذ يقضى على الذام غير المكرر بالحبس من ثلاثه اشهر الى سنتين او بالغرامة من الفي دينار الى عشرة آلاف دينار، اما في حالة التكرار فلا يقضى عليه الا بالحبس من ثلاثة اشهر الى سنتين من دون ان يقضى عليه بالغرامة.

وتطبيقاً لما تقدم، فإن من حق المحاكم المختصة في المرة الأولى لارتكاب جريمة الذم – خاصة في ظل توجه المشرع الى رفع الغرامات ورفد الخزانة – أن تحكم بعشرة آلاف دينار بينما لا يسوغ لها إلا ان تحكم بالحبس في حال التكرار، وبالنظر الى أن ما جرى عليه العرف القضائي هو الحكم بالحد الادنى، فان الحكم بالحد الادنى يكون بالحبس لمدة ثلاثة اشهر في حال التكرار الذي يستحيل غالباً الى غرامة يدفعها مرتكب جرم الذم، يتم حسابها على أساس دينارين ونصف عن كل يوم، اي لا يتجاوز ما يدفعه الشخص مائتين وخمسين ديناراً مقابل ألفين الى عشرة آلاف دينار في المره الأولى.

5 - واخيراً وليس آخرا نقتصر في الاشارة الى مظهر آخر من مظاهر الأغلاط الجوهرية يتمثل في ان القانون المؤقت قد ألغى ذيل الفقرة الثالثة المتمثلة في ما يلي: (وتعتبر الجريمة تامة اذا تمت افعال تنفيذها دون النظر الى وقت حصول النتيجة). على الرغم من اهمية هذه العبارة التي كانت موجودة في القانون الأصلي، اذ تبدو اهميتها في انها كانت تحدد القانون الأصلح للمتهم، أهو القانون الذي كان صادراً وقت ارتكاب افعال التنفيذ ام القانون الذي صدر وقت حصول النتيجه؟ الامر الذي سيؤدي الى اختلافات في التطبيقات القضائية.

6 - ومن التداعيات القانونية السلبية التي ترتبت على اضافة المشرع المؤقت المادة (345 مكررة ) الى المادة
(345) من القانون الأصلي في قولها
(مع مراعاة حالات العذر المخفف والدفاع الشرعي المنصوص عليها في المواد (340) و(341) و(342) من هذا القانون لا يستفيد من العذر المخفف الوارد في المادتين (97) و(98) من هذا القانون، الشخص الذي يرتكب أيا من الجنايات الواردة في الفصل الاول من الباب الثامن من هذا القانون اذا وقع الفعل على من لم يكمل الخامسة عشرة من عمره اوعلى انثى مهما بلغ عمرها)، وتطبيقا لهذا لو أن أحد الآباء قد فوجئ اثر عودته من احدى الدول لغياب استمر سنة، بابنته غير المتزوجة وهي تحمل في أحشائها حملاً او جنينا نتيجة لما قامت به من فحشاء، فاندفع تحت تأثير سورة الغضب الشديد وفقد ضبط الأعصاب وهو امام هذا المنظرالبشع الذي لا يتحمله إنسان شريف محترم حتى ولو قدّت أعصابه من حديد إلى قتلها او الاعتداء عليها، فإنه لا يستفيد من العذر القانوني المخفف الذي أقره المشرع اصلاً بناءً على فقد او نقص احد عناصر المسؤولية الجزائية، وهو إما الوعي او حرية الاختيارعلى مقتضى نص المادة (74/1) من قانون العقوبات، فالقتل او الاعتداء لم يكن إراديا او طوعيا وانما كان لا اراديا، ومن المسلم به ان التشريعات لم تفرق بين مصادر فقد المسؤولية الجزائية ونقصها عندما وضعت نص المادتين (97)و (98)، اذ قد يتسبب في فقد المسؤولية او نقصها اي انسان مهما كان عمره او جنسه، والجدير بالذكر أن هذين النصين تحتفظ بهما جلّ إن لم يكن كل قوانين العقوبات في البلاد العربية وغيرها من البلدان الأخرى، لان هذا الاندفاع البشري او الانساني في مثل هذه الظروف الاستثنائية بكل ما يحمله من تجاوزات، هو من قبيل حقائق الامور وطبائع النفس البشرية.

الا يستحق هذا الشخص ان يستفيد من العذر القانوني المخفف كما يستفيد من العذر المخفف المنصوص عليه في الماده (340) من قانون العقوبات؟ أليست العلة في الحالتين واحدة؟ أليست العلة هي المفاجأة وما نجم عنها من استفزاز أفقد الشخص وعيه او إرادته او على الأقل انقصها؟ اليست القاعدة القانونية تتمثل في ان الاتحاد في العلة يوجب الاتحاد في الحكم؟

وختاما، نقول تخضع جميع الظواهر الكونية طبيعية كانت ام اجتماعية الى قوانين السببية، ولا تشذ الجريمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية عن هذا المبدأ، فمتى اجتمعت عوامل ذاتية اصلية او اجتماعية او اقتصادية او سياسية مكتسبة لدى شخص معين حملته لا محالة الى ارتكاب احدى الجرائم، فلا بد في سبيل الحد من الجرائم او الاقلال منها، ان يتم التعامل مع هذه الاسباب، ولا يكفي لتحقيق هذه الغاية التعامل معها بالشطط او الغلو في العقاب.

وما نقول به في هذا المجال ليس الاّ تطبيقاً لمبدأ طبي معروف متمثل في أنه ليس بإمكانك إعطاء الدواء ما لم تكن قد عرفت الداء.

* أستاذ الدراسات العليا لقانوني العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية في كلية الحقوق بالجامعة الأردنية، عميد الكلية سابقا

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحليل عقلي و منطقي (المحامي الدكتور نوفان العجارمة)

    الخميس 26 آب / أغسطس 2010.
    اشكركم استاذنا الجليل على هذا الجهد الكبير والرائع في تحليل النصوص ، وارجو منكم مواصة هذه الجهود مع مجلس النواب القادم ، من اجل محو هذا القانون من الوجود القانوني ، لان هذا القانون اشبه ما يكون بوجبات الطعام السريعة ، والتي لا تغني ولا تسمن من جوع . و اردد ما انتهيتم اليه (( ليس بإمكانك إعطاء الدواء ما لم تكن قد عرفت الداء...)).
    مع التقدير
    المحامي الدكتور نوفان العجارمة
    كلية الحقوق – الجامعة الاردنية.