حنان كامل الشيخ

متى اختصروا الوطن؟

تم نشره في الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

ماذا جرى للبلد يا سادة؟ ماذا جرى للبلد؟

كيف اختصروا الوطن وجعلوه خبرا في جريدة عن أب لم ترأف يداه باللهاث الأخير لولده، فعض على نواجذ الرحمة، وقتل الاثنين.. الولد والوالد؟ كيف اختزلوه كاريكاتورا في الصفحة الأخيرة يضحك على دوامع الأكثرية المسحوقة وهي ترقص التانغو مع حنفية مياه ترملت حديثا؟ كيف حولوه رقما بأصفار وكسور ضمن لائحة أسعار الخضراوات والفاكهة المتهالكة على ضفاف الحر والكساد؟ رد عقيم على مقال كان يرتجف من الفقر، وما آلت إليه أحوال العباد؟

كيف اختصروه حلما عزيزا بالهجرة، حكما يترصد فكرة، غصة في حلق الشاعر، كذبة ابريل في الأول من كل شهر، اسما أخيرا في ذيل الهوية الشخصية، طعما ولا أمر!!

كيف مرروا ثقافة عبور شارع الملك فيصل من دون شرب كاسة الليمون المثلج؟ من شخبط على صورة قلب الحب المرسوم على حائط مدرسة الراهبات الوردية، وكتب فوقها "أبو نزار مستعد لتشييك مزارعكم"!

من الذي تجرأ على اقتلاع قلبه، ليشتري مزرعة؟ من روض الروح الوثابة لحل أسئلة عمر الخطيب، وسماع الهوو هووو هوووووو، من قلبَها مسخا عبر هواتف الخط المباشر، يجيب بسماجة وقهقهة سخيفة على لغز: ما هي عاصمة الأردن!

كيف تم العبث بمذكرات صحن الحمص وهو يترنح بين كفي الصبي، فيما كل السيارات تتوقف بانتظار أن يقطع الشارع بسلام، مع تمنيات السائقين الصابرين بالعافية له ولإخوته الكبار...

هل سقط كل ذلك سهوا؟ أم صار ظلا يغشاه الموت في عز العيش؟

زمان كان الوطن جيرانا، لا ينام الذي على السطح إلا بعد أن يهدأ سعال الرضيع الذي تحتضنه أمه تحت الدرج..

كيف تحولت جدران تمتص الصوت بلؤمها البارد، وتربي أولاد العمارة على احترام "حريات الآخرين" حتى لو كان الثمن حياة زوجة انطفأت بعد أن سكب عليها رجل لا يعرف الرحمة، قنينة الكاز...

زمان كان الوطن رسالة عشق موقعة بحرفي "ن.ع"، تقرؤها نهاد زمخشري عبر أثير إذاعة عمان، فتخجل الزوجات المجتمعات على باب الدار، من جرأة بنات تلك الأيام!

زمان كان الطبيب طيبا، يكتب على رأس روشتة الفقير رسالة لسكرتيرته: حسابه واصل، فتنال البقشيش دعاء بالستر... وقتها لم يكن قد وصل الاختراع العظيم بالسؤال الثاني للمريض بعد اسمه، أين تسكن؟!!

زمان كان التلميذ يقف للمعلم، والمعلم يقف لمدير المدرسة، والمدير يقف لسورة الفاتحة والنشيد الوطني...

كان الوطن سارية طويلة جدا جدا، يلزم الصغار جهدا لتلتقط أبصارهم العلم، فتقشعر أبدانهم من أمر لم يكنهوه، ولم يعودوا، كان لذلك الجهد اسم... النظر إلى فوق!!

من اختصر الوطن الى إعلان سياحة تعرضه الفضائيات، يصح أن يكون لأي بلد فيها بحر وجبل ومطعم يقدم التبولة والكباب... من اقترح ألا يضم الاعلان كلمة "تفضل" مثلا.. أم أن الفضل والفضيلة أيضا لم يعد لهما ظل تحت شمس هذا التراب؟؟

أين كنا حين اختصروه، حين لفوه بورق الهدايا وشبر الزبنة، وألفوا له عيد ميلاد جديدا.. ممنوع فيه اصطحابنا ؟؟

hanan.alsheik@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الوطن لا يتغير (أم عبير)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    قسوة الحياة يا ابنتي هي السبب , الحياة فيما سبق كانت بسيطة غير معقده كما هي الان , فكل شيء في هذا الزمن يلغي هوية الانسان ويجعله " روبوت " الوقت اصبح اسرع, لا وقت لشيء سوى الركض وراء الدنيا , فهل نلوم الوطن ام نلوم ما هو في الوطن ؟؟ اعتقد والله اعلم ان مافي الوطن و اقصد البشر هو الملام , فوطنك انت ايها الانسان بدأ منذ ولادتك فلماذا تلومه ؟؟؟ وتحن الى وطن غير وطنك ؟ أو حتى تحمله المسؤولية؟
  • »اسألي السادة المستشارين !!! (عيد سعيد)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    السيدة الفاضلة حنان .. تعجبني كتاباتك و التي تستفز الآخرين للرد و انا أحب أن أشاركك بهذه القصة : اكتشف أحدهم الوطن حديثاً بعد أن عين مستشارا هاما، فراح يشنّع بالمارقين، ويلقي خطبه الوطنية العصماء: "نملك حياة واحدة نهبها للوطن" و "لا مكان إلاّ للوطن وأهله" و "كلنايفنى من أجل الوطن" و "حين ننتمي الى الوطن فهذا يعني أننا ننتمي الى آبائنا وأمهاتنا بل وأجدادنا"! عظيم. و"نحن لم نولد من أجل أنفسنا بل من أجل وطننا" كما يقول افلاطون.
    هذا هو الدرس الأول. اما الدرس الثاني في الوطنية فهو: "الخارجون على الوطن والوطنية عصفور عشه وسخ، أو كأحمق يستمر في خطئه" والمقصود بالخارجين هم المختلفين في الرأي المعارضين للحكومة و مستشاريها. وتستمر حلقة الدرس فتقول: "من الحقارة أن يعيب المرء وطنه" أي حين ينتقد (ولاة أمره)!
    اما الأهم فهو الدرس الثالث : لقد أصبحت الوطنية والدعوة الى الوحدة الوطنية كلمة حقّ يراد بها باطل عند البعض. فهي لدى رموز السلطة والمطبلين لها مجرد أداة لتسكين الشارع ، بحجة دفع المخاطر التي تلم بالوطن. وهي عند المنتفعين "استثمار" مستقبلي في معركة كلامية موهومة ضد المجهول تجعلهم يحافظون على مواقعهم ومناصبهم في المستقبل.
    و تقولين لي متى اختصروا الوطن ؟؟ اسألي المستشارين !!!!!
  • »أسئلة كثيرة (Nardeen)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    هل الوطن هو الآمان سواء كان ارضاً او حتى انسان
    وهل الانتماء أن نشعر بأن هذه الارض وأن هذا الانسان هما الشيء الوحيد الذي نريد ان عود له كلما اخذتنا لحياة بعيداً ؟
    لا أعلم لكن قد يكون هذا ما اشعر به وما فكرت فيه عندما قرأت مقالك ...شكرا على اثارتك للأسئلة.
  • »الوردة محاطة بالأشواك ! (سما)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    عزيزتي حنان كامل الشيخ..
    لا يمنع إن كانت هناك مساويء عديدة ، أن تكون هناك أشياء جميلة ! فالوردة محاطة بالأشواك !
    لا تحزني ، ولا تجعلي حزنك يبقى فيك أطول مما بقي ! غردي لوطن أجمل، لوطن أعدل ، لوطن أحلى يضمنا كلنا بلا تمييز ولا عنصرية ولا طبقية ولا محاباة !
    أعدك إن كانت أصوات الشباب تضج بالعدل ، لن يكون هناك سوى “أوطان” عادلة تضمنا و نضمها !
  • »السبب منا و فينا (أبو تميم)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    الأخت الفاضلة حنان ..
    حياك الله و سدد خطاك على درب الخير الذي بدأت به منذ مقالاتك الأولى أما بعد ..
    فان ما يحزن القلب و ما ينغص على الفؤاد هذا التراجع الكبير الذي يشهده الوطن و ناسه بسبب الابتعاد أولا عن تعاليم ديننا السمحة و التي تحض على الخير و التكافل و احترام الآخرين و ثانيا لأن احتماعياتنا تأخرت بل و تقهقرت ألف درجة للوراء و صار الوطن هو الأسرة الصغيرة التي لا تتعدى الوالدان و الاطفال و هذه وحدها مصيبة لأن غياب الأجداد و الأعمام و الأخوال يعززمن هذا التفكك و يعود أولادنا على الأنانية التي تسمى الاستقلالية بالعرف السائد . شكرا لك و لجريدة الغد و أتنى أن يأتي رمضان القادم باذن الله و نحن في حال أحسن .
  • »حينما إختصروا الانسان (منذر السلامين)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    المبدعة حنان:

    الاشخاص هم من يصنعون خصوصية المكان .... حينما تجرّهم عجلةالحضارة بكل متناقضاتها - سلبا كانت أم إيجابا - فإنها تفتنهم ببريق عهرها ويجدون لديها ملاذا كي يرموا على شمّاعاتها حجج رغبات تكون أصلا في دواخلهم وعقلهم الباطن ....

    لم يبق لجماليات كثيرة ظلاً في قيض هذا الزمن القارص .... فقط مجرّد عبارات بين الفينة والأخرى هنا وهناك، نشعر بألم النّزف معها أكثر من شعورنا بالفرح.... وذاك ما أجدّتيه عزيزتي بحرفنة !!
  • »الوطن وطن (رباح القاروط)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    شكرا للمقال وكاتبه واقول ان الوطن هو نفسه يبقى وطن مهما طالت الايام والسنين ولكن الاختلاف في الاجيال المتعاقبه من الناس والتي تاتي بافكار تختلف عن الجيل الدي قبله ففي الايام السابقه لم يكن انت موجود ولا الموبايل موجود وغيرها لكن اليوم كل شىء تغير كل شىء اصبح متوفر للجميع لدلك نقول انه الوطن كما هو انما التطور في الحياه وتعاقب الاجيل من جيل لاخر والمبادىء التي يتعلمها من الغرب والافكار المستوحاه منه
  • »ماذا أصاب البلد ؟؟؟ (د. شيماء طوالبي)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    نعم يا سيدة حنان أنت محقة في كل سطر كتبتيه اليوم و لكن السؤال الذي كان يجب أن تطرحينه هو لماذا اختصروا الوطن ؟؟؟
    أو لماذا اختصروا الرحمة في قلوب أهل هذا الوطن ؟؟ فكما تعلمين حين تجف داخلَ النفس الإنسانية عاطفة الإحساس بآلام الآخرين وحاجاتهم، وحين تنعدم من القلوب الرحمة تحل القسوة بالقلوب فتمسي مثل الحجارة التي لا ترشح بأي عطاء ، أو أشد قسوة من الحجارة؛ لأن من الحجارة ما تتشقق قسوته الظاهرة فيندفع العطاء من باطنه ماءً عذبًا نقيًا، ولكن بعض الذين قست قلوبهم يجف من أغوارها كل أثر للفيض والعطاء و هذا حال أهل البلد الذي تساءلت عنه في بداية مقالك و للأسف أنا أرى أن الحال يسير الى مزيد من القسوة و الجحود .
  • »من و من ؟؟ (ابو خالد)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    لقد اثرتي كل الحنين و النوستالجيا في دواخلنا لوطن فعلا بدأنا نشعر اننا غرباء عنه مع اننا لا زلنا نعيش فيه ولا زال يعيش فينا. عندما "نسّلع" الوطن نختصره ,على حين غفلة, على هذا النحو الفج الغث . من يعيدنا الى وطننا او من يعيد وطننا الينا؟ سامحك الله يا استاذة حنان لأنك " قلبتي علينا المواجع" .
  • »ليتنا نعود لايام زمان يا اخت حنان (شهد ونوس)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    مقال من اروع ما قرات و به مذكرات جميلة للاردني الطيب و المحب و المضحي ... يعطيكي العافية اخت حنان على المقال و الى الامام
  • »مقال موجع (أميمة)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    ماذا بوسعنا القول لا يوجد سوى كلمات نستعين بها بالله وهي لا حول ولا قوة الا بالله
    فعلا مفارقات عجيبة وصور تفضح نفسها وتعرب عن واقع مؤسف حزين أليم يعيشه الكثير من البشر على حساب بشر آخرين
    سلمت يداكي على ما قدمت ولا حول ولا قوة الا بالله
  • »من يبتعد عن الله يقسى قلبه (ع.ع)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    من نظري الوطن لم يتغير فالوطن كالوعاء لا يتغيرلاكن ما بجوف الوعاء هو الذي يتغيرأي البشر وطرق الحياة والعولمة والتي أدت الى انفتاح الثقافات وتخالط العادات والقيم أما موت ضمائرنا أو قيامنا بعادات لم نعهدها من قبل ما هو الا بسبب البعد عن الدين ومن يبتعد عن ذكر الله يقسى قلبه..
  • »زمن الحب (إبراهيم حسن)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    رائع
    شكرا حنان، لقد صنعت يومي بدمعة على زمن الحب
  • »من و من ؟؟ (ابو خالد)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    لقد اثرتي كل الحنين و النوستالجيا في دواخلنا لوطن فعلا بدأنا نشعر اننا غرباء عنه مع اننا لا زلنا نعيش فيه ولا زال يعيش فينا. عندما "نسّلع" الوطن نختصره ,على حين غفلة, على هذا النحو الفج الغث . من يعيدنا الى وطننا او من يعيد وطننا الينا؟ سامحك الله يا استاذة حنان لأنك " قلبتي علينا المواجع" .
  • »لايمكن اختصار الوطن (د . ناجى الوقاد)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    لقد اعطتنا الكاتبه المبدعه دوما حنان الشيخ صورة ليست سوداويه وليست ضبابيه لكنها اقرب الى حد الوجع فقد قدمت بكل شفافيه الكثير من الصور الرائعه التى تشبه الفن التشكيلى
    فقد كانت الجده تعانق زيتونتها الباكيه الممتده جذورها فى الارض منذ مئات السنين وتحكي لاحفادها عن حياة الجد والبيدر وتبكى ما تبقى من اخوات حبات الزيتون
    فعن ماذا تحدث الجدة احفادها الان؟ اتحدثهم عن آخر حلقه فى مسلسل باب الحاره؟ ام عن آخر فيديو كليب لمطربة مغموره لا تجيد سوى هز البطن؟
    فقد يحاول البعض تصور بان الوطن اصبح مجرد مقاوله تتعلق بالاجر او المهمه او حتى بإمكان تغيير مكان العمل ولكن نسى هؤلاء بان الوطن يظل اكبر من ان يختصر لانه يعنى الشموخ والانتماء فكرا ووجدانا واعتزازا
  • »الوطن (Thaer Hamdan)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    الرأسماليه عكس حب الوطن عصر المادة فوق أنين الوطن وهذه عيوب الجيل الجديد الذي يشرب الرأسمالية في حب الوطن . رمضان كريم
  • »سحور الليلة ! (سائد المغازي)

    الثلاثاء 24 آب / أغسطس 2010.
    مقالتك اليوم مثل وجبة السحور بالضبط و أقصد أنها ثقيلة و لكنها ضرورية . لو تعلمين يا حنان لكم أشعر بالأسى كلما زرت عمان التي ضاعت و أقصد الناس قبل الحجارة . أبحث عن أصدقائي القدامى بدل أن يأتوا للسلام فقط فأجدهم أناسا آخرين لا أعرفهم. و الامر ينطبق أيضا على الأهل الذين فرقت بينهم المادة و المصالح الشخصية و الخلافات التافهة . الوطن تم اختصاره الى كلمة لا تعني شيئا الا التعلق بالماضي و خاصة لمن يعاني من الغربة. شكرا لك يا حنان على كلامك و لو أنه مؤلم .......