جميل النمري

الماء والصيف

تم نشره في الثلاثاء 17 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

صيف قائظ وشح في المياه، وانقطاعات طويلة هنا وهناك. لم يعد أرباب البيوت في العديد من المناطق يطمئنون إلى يومهم الأسبوعي، فاليوم نفسه يوزع بالساعات على الأحياء ويجب تفقد الحنفية كل ساعة حتى لا تفوت فرصة التزود بكمية إضافية من الماء.

يتكيف الأردنيون بصورة أو أخرى مع هذا الوضع، لكن الوجه الآخر للصورة هو قصّة فشل مذهل للدولة والمجتمع، فنحن من أفقر الدول في مصادر المياه ومن أكثر الدول هدرا للماء الذي نضخه إلى شبكات التوزيع، فالماء النظيف الذي نتحمّل الكلفة العالية لجرّه من منخفض وادي الأردن الى محطّات التكرير ثم الى شبكات المياه يذهب بنسبة 42 % هدرا في الطريق الى البيوت بسبب تقادم الخطوط وتهتكها وضعف الصيانة، إضافة إلى السحب غير المشروع، ويحسب الهدر بالفارق بين نسبة الماء المضخوخ والماء المستهلك عبر ساعات المياه.

ويعطي البنك الدولي أرقاما مقلقة؛ فمع بداية النصف الثاني من القرن الماضي كانت حصّة الفرد من المياه في المنطقة (الشرق الأوسط وشمال افريقيا) حوالي 4000 متر مكعب سنويا، وانخفضت في نهاية القرن إلى 1100 متر سنويا وستصل في منتصف القرن الى 550 مترا سنويا، فالسكان يتزايدون والمياه تتناقص.

والأردن نموذج متطرف لهذه الظاهرة، ففوق الزيادة السكانية الطبيعية العالية هناك موجات اللجوء، وآخرها استقبال ما يزيد على نصف مليون لاجئ عراقي. وقد تضاعف عدد السكان المقيمين في الضفة الشرقية 12 مرّة منذ منتصف القرن الفائت وحتّى الآن، وسيصل الى 10 ملايين عام 2020.

وقد قفزنا إلى الموقع الثالث بين الدول الأفقر مائيا هذا العام، والمصادر المائية المقبلة مثل حوض الديسي بالكاد تغطي النقص الفادح القائم الآن في العاصمة عمان وحدها، ومن دون إدارة أكثر كفاءة للمياه فنحن سائرون إلى الأسوأ. وللحكم على إدارة المياه يكفي التذكير أن نسبة الفاقد في الشبكات كانت تصل إلى 45 % وهي تصل الآن الى 42 % رغم خصخصة إدارة المياه لتحسين الكفاءة!

لنضع جانبا المشاريع الكبرى لمصادر المياه التي تتطلب استثمارات بمئات وألوف الملايين مثل الديسي وقناة البحرين والسدود التي يتبخر معظم مائها وتصل ملوحتها الى نسب بالكاد تصلح للزراعة، بل لنترك موضوع إصلاح الشبكات الذي يكلف أيضا مبالغ خيالية، وننظر إلى كفاءة استخدام الماء في البيوت وتوفير مياه الأمطار. وكنّا تحدثنا وتحدث غيرنا أكثر من مرّة عن التوفير الهائل الممكن من خلال الأفكار البيئية لأنظمة تدوير المياه المنزلية وجمع مياه الأمطار. إن خطوة عملية واحدة لم تنجز على هذا الصعيد.

ولنضرب مثلا واحدا لإجراءات يمكن اتخاذها: يمكن جعل الرسوم للمسقفات وغيرها على البنايات التي تستخدم نظاما كفؤا لجمع مياه الأمطار في آبار نصف الرسوم لغيرها. على الأقل سيكفي هذا الماء للري والشطف والتنظيف.

أعراض المعاناة لهذا الصيف هي عيّنة مصغّرة لما سنعاني منه في مقبل الأيام إذا لم نحقق تحولا راديكاليا في تعامل الدولة والمجتمع مع قضية المياه.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابن الوزير الوزير (شوفير تكسي)

    الثلاثاء 17 آب / أغسطس 2010.
    عندما يكون ابناء الوزير وزراء
    وابناء المدير مدراء
    وابناء الشعب هم الفقراء
    سنحصل على هذه النتيجه
  • »الماء والصيف (ali)

    الثلاثاء 17 آب / أغسطس 2010.
    المقال ممتاز