عيسى الشعيبي

عودة إلى صواريخ العقبة

تم نشره في الأحد 8 آب / أغسطس 2010. 02:00 صباحاً

مرّ ما يكفي من وقت على واقعة قصف العقبة، مجدداً، بدفعة صواريخ مجهولة النسب، وتكشفت بعض الحقائق التي تمكن المراقب من إعادة بناء صورة ما حدث والوقوف بعقل بارد على مكونات ذلك المشهد، الذي ظل إلى اليوم عصياً على الفهم، يلتبس فيه الدافع والتوقيت والمغزى، بقدر لا يقل عن التباس الهوية والرسالة السياسية لمدبريه.

ولعل أولى الحقائق التي انجلت عنها هذه الواقعة التي أسالت دماء أردنية بريئة، أن العقبة، وليست إيلات، هي التي كانت مستهدفة، بدليل أن صلية من نحو ستة صواريخ موجهة لم تكسر لوح زجاج واحدا في الميناء اللصيق، وأن الإسرائيليين هناك تعاملوا مع الحدث وكأن شيئاً لم يكن، حتى لا نقول إنهم صمتوا طويلاً على غير عادتهم ولم يجشموا أنفسهم عناء توجيه التهمة لأحد.

أما الحقيقة الثانية التي لم تعد محل جدل الآن، فهي أن منصة الإطلاق كانت تتموضع في سيناء، الأمر الذي قوض تحليلات راجت هنا وفي المحيط المجاور كانت تعتمد نظرية المؤامرة، وتجهد في تعمية أبصار المحققين والرأي العام عن الهوية المحتملة للقائمين على هذا العمل الإرهابي المدان، وهي تحليلات هشة ساعد على شيوعها الإنكار المصري المتعجل درءا لتهمة التقصير.

ولاستكمال بناء صورة ما حدث، ينبغي ملاحظة أنه رغم مرور كل هذا الوقت، لم تصدر منظمة القاعدة بيانا تتبنى فيه بكل تبجح مثل هذه الفعلة النكراء، على نحو ما أعلنته مؤخراً إزاء ناقلة النفط اليابانية العملاقة في مضيق هرمز، الأمر الذي يدحض أكثر الترجيحات التي سادت على الفور حول مسؤولية القاعدة في بلاد الشام عن هذه العملية، لا سيما ونحن نعلم أن الفرع الشامي هو أقل فروع القاعدة فعالية، قياسا بفروع بلاد الرافدين والمغرب العربي والجزيرة العربية.

إذا، من الذي يقف وراء قصف العقبة في هذه اللحظة السياسية التي تنصرف فيها البلاد والعباد نحو انتخابات عامة، وسط محاولات مستميتة لنزع الشرعية عن هذه الانتخابات، تحت دوافع متمركزة في مكان آخر خارج دائرة العملية الانتخابية، ومن ثم تحقيق غايات يصب قمحها في طواحين مرجعيات خارجية، بدت لبعض المحللين النابهين هنا، أنها مرجعيات باتت تهيمن على قرار مقاطعي الانتخابات وتضبط عقارب ساعاتهم وفق توقيت غير أردني.

على أي حال، فإن التحليل السياسي المجرد لم يكن كافيا وحده لفك شيفرة الرسالة المحمولة على أجنحة صواريخ العقبة، وأنه من دون المعلومات الفنية المطلوب توفيرها دائما من قبل الأجهزة الأمنية، ما كان لذلك الفيض من القراءات التحليلية الرغائبية أن يستقر على وجه واحد من وجوهها، وما كنا قادرين على استكمال بناء الصورة التي لم يتبق منها سوى رتوش أخيرة.

فقد حسمت الأجهزة الأمنية، بعد الكشف الحسّي وإجراء الاختبارات الفنية اللازمة، هوية المكان الذي انطلقت منه هذه الصواريخ، ثم قامت نظيرتها المصرية وبعد التدقيق والتحريات بتعيين هوية الجهة السياسية التي وقفت وراء هذه الإطلاقات، قائلة إنها منظمات جهادية تسللت عبر أنفاق قطاع غزة، الأمر الذي لا يمكن معه بعد اليوم إنكار أبوة هذه الصواريخ التي لم تعد لقيطة، ولا التستر على مغزى الرسالة الخرقاء الساذجة التي تضمنتها.

ومع أنه ينبغي التحفظ كثيرا على ما أوردته مصادر المعلومات الإسرائيلية من تفاصيل تتعلق بأسماء القيادات الميدانية والمرجعيات التنظيمية ذات الصلة المدعاة بهذه العملية الطائشة، إلا أن تقاطع ذلك مع ما أوردته المصادر المصرية، وتحتفظ به في أدراجها دوائر أمنية أخرى، قد يشكل فاتحة أولية لمرحلة جديدة من المراجعات الأمنية والسياسية الإقليمية تجاه فائض القوة العاطلة عن العمل في القطاع المحاصر، وهو ما ينذر حقا بعواقب وخيمة قد تزيد من وطأة المصاعب التي تثقل بشدة على حياة الناس البائسة في غزة.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اعلم ان الهوى مضل (ابو حرب)

    الأحد 8 آب / أغسطس 2010.
    يا اخي عيسى ،
    بالتأكيد ، كنت ادرك ان الهوى مضل لصاحبه، ولكن كنت ولا ازال أن للموضوعيةوالحق والانصاف لهم مكانة اولى عند مقاربة القضايا الكبرى والاستراتيجيةمهماكانت اعتبارات الغوايه، هالقد حرام وكثير . ما في شئ من اللي قلته بيركب على العقل ولا على ادوات التحليل وبالطبع على الواقع المعلن. تحياتي
  • »مقالة غير مقنعة (أردنية)

    الأحد 8 آب / أغسطس 2010.
    أتفق مع الأخ أمجد أبو عوض. ما ورد في مقالة الأخ الكاتب اليوم غير مقنع أبداً.
  • »اتهام نرده علميا بناءا على ما ورد في مقالك (امجد ابوعوض)

    الأحد 8 آب / أغسطس 2010.
    العقبه وليست ايلات هي المستهدفه !! كيف ذلك وقد سقط صاروخ واحد على العقبه وسته على ايلات , انت قلت ان ستة صواريخ سقطت على ايلات ,

    لا نؤمن بنظرية المؤامره ولكن تموضع منصة الاطلاق في ايلات لا يعارضها ,

    هنالك الكثير من الذين يعملون عمل القاعده ولكنهم ما زالوا صغارا على قبولهم رسميا في صفوفها رغم سعيهم الدؤوب للتواصل معها لتعتمدهم كمختلين عقليا ينبتون في حقل جنونها ,

    الاسرائيليون لم يحملوا انفسهم عناء توجيه التهمه لأحد !!! كيف ذلك وقد قال نتنياهو مثلما تقول واتهم حماس مباشره واتبع اتهامه فصفا وتوغلا عسكريا على حدود غزه , (شوية تركيز يا استاذ شعيبي )

    ما مصلحة حماس او الجهات الخارجيه في سحب الشرعيه عن الانتخابات ؟ , من يسمعك تقول ذلك سيظن ان البرلمان الاردني هو راسم استراتيجيات السياسه الاردنيه الخارجيه والداخليه ,

    ما هي الرساله الخرقاء التي ارادتها حماس من استهداف العقبه ؟ عرقلة المفاوضات , تستطيع فعل ذلك من غزه , ولكن صدقني حتى انت لا تعرف ما هي الرساله من هذه الصواريخ ولكنك فقط تكتب ما ترغب به , والرغبه هي ملاك الموت الذي ينتزع روح الصواب ,

    ادهشني اعتمادك على المصادر المصريه , رغم ان مصر نفت قطعيا على مدى ايام متواصله ان تكون الصواريخ قد انطلقت من اراضيها , من سيصدقها الان عندما تؤكد ان طريق الصواريخ قد بدء من غزه , واذا كانت مصر (شاطره) ودقيقه الى هذا الحد فلماذا لم تتبع طريق الغراد قبل وصولها وانطلاقها ؟

    محمد ابورمان له مقال على صفحات الغد نرجوا منك قراءته ,