اليمن.. للوحدة ربٌّ يحميها

تم نشره في الخميس 29 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

في اليمن ثلاث قضايا تطفو على السطح:

الأولى، الحوثيون وتداعيات حركتهم، وآخرها أسر 70 جنديا يمنيا، والثانية، التوريث بعد اثنين وثلاثين عامًا قضاها الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، وهي المدة الزمنية الأطول في عهد الزعماء الذين تولوا حكم اليمن خلال الـ 100 عام الأخيرة، والثالثة، وهي الأهم، معضلة الجنوب، وهي التي سنتحدث عن حراكها.

تُغفل وسائل الإعلام العربية عموما تسليط الضوء على المشكلة اليمنية، ولا تصلنا أخبار اليمن إلا من خلال قنوات غير محايدة، فإعلام صنعاء يحاول دائما التأكيد على أن لا مشكلة في جنوب اليمن، وأن هناك جهات لها أهداف معينة تنفخ على النار لتضخيم ما يحدث من حراك شعبي، و"الحراك الجنوبي" يؤكد في بياناته أن الاحتجاجات واسعة في الجنوب، وأنه يسيطر على نصف ملامح الحياة في عدن، وعلى كل مدن الجنوب.

وتسمع من خلال إعلام الجنوبيين أن تظاهرات يومية تحدث، وعصياناً مدنياً يشلّ الحياة في كل مرافق عَدن، حتى بات الجميع ينتظر الأيام المقبلة، مع تأكيد أن العمر الافتراضي لوحدة الشطرين المتّحدين في العام 1990 قد انتهى، رغم أنها أول حالة لوحدة اندماجية بين دولتين عربيتين بعد تفكك الوحدة المصرية- السورية في العام 1961، وثاني تجربة وحدوية عربية بعد دولة الإمارات التي أنجزت وحدتها في السبعينيات من القرن الماضي.

ثمة من يعتقد أن صنعاء استنفدت الكثير من الوقت قبل الاعتراف بوجود أزمة في المحافظات الجنوبية (أقر الرئيس علي عبدالله صالح وبعض أركان النظام مؤخرا بحصول أخطاء في الجنوب)، علما أن الفرصة كانت سانحة في نظر كثيرين لمعالجة المظالم الجنوبية، إلا أنّ الحكم فضّل احتواء حركة الاحتجاجات باستخدام القمع والقوة المسلّحة، أو من خلال تقديم تنازلات غير كافية، ساهمت فقط في إثارة معارضة أكبر.

وخلال ذلك تم وأدُ الكثير من المبادرات الرامية إلى حل الأزمة عبر إيجاد حكم محلي بصلاحيات كاملة، على الرغم من أن عددا من المسؤولين الكبار كانوا وراءها، واعتبرت السلطة أن مثل هذه الدعوات تتقاطع مع الدعوة إلى الفيدرالية.

والحال، فإن وصول الأمور إلى مرحلة الاغتيالات والاشتباكات المسلّحة، ورفع شعارات من قبيل "خروج الاحتلال"، شكّل نقطة تحول كارثية في معادلة الاحتجاجات الجنوبية، خصوصا بعدما بات المسلحون يسيطرون على مناطق بأكملها، وتقوم قوات الجيش بدورها بمحاصرة هذه المناطق وسط أجواء من التوتر والمواجهات، تخلف يوميا عددا إضافيا من الضحايا، سواء من المدنيين أو الجنود.

تسمع بوجع الجنوبيين من أصدقاء لم تحفر بذور الفتنة في داخلهم بعد، لكنهم غير راضين عمّا آلت إليه الأوضاع، وهم يحلمون بيمن سعيد يترجم أحلام الوحدة بشفافية بين الشطرين.

لكن منذ سنواتها الأولى، واجهت الوحدة اليمنية تحديات ومخاطر عدة؛ حيث لم تتمكن السلطة في صنعاء من دمج جيشي الشطرين الشمالي والجنوبي.

ويتركز حديث الجنوبيين عن فساد ينخر في بنيان مؤسسات الدولة اليمنية، وعن سلوك غير وحدوي تمارسه السلطات اليمنية، كما أن نظرية الفرع والأصل، والشمالي المنتصر والجنوبي المندحر، وقوانين تنفَّذ في عدن، وأخرى تعطَّل في صنعاء، ما تزال تسيطر على عقلية صنّاع القرار في اليمن الموحد.

ثمة مؤشرات تكشف عن أن الأزمة اليمنية تزداد خطورة يوماً بعد يوم؛ أولها وأهمها تواصل حركات الاحتجاج، وثانيها ما يشير إلى اتجاه حركات الاحتجاج نحو العنف، والثالث أن الشعارات المعادية للوحدة، والمطالبة بالانفصال وعودة دولة مستقلة في الجنوب باتت أكثر تواتراً من ذي قبل، وأكثر قسوة في وصفها السلطة المركزية بسلطة الاحتلال.

أعنف الاشتباكات التي وقعت تلك التي شهدتها مدينة الضالع في 6 حزيران (يونيو) الماضي بين قوات الجيش وعناصر مسلحة من "جماعات الحراك الجنوبي"، واستخدم فيها مختلف صنوف الأسلحة، وأسفرت عن مقتل ستة مدنيين وجرح أكثر من 15 آخرين، إضافة إلى مقتل جنديين وإصابة أربعة آخرين بجروح، بينهم ضابط. وقد ذُكِر أن الجيش قصف خلال العملية بالمدفعية بيوتا سكنية، حيث زعم أن مسلحين تمركزوا فيها، ورفعوا عليها أعلام الشطر الجنوبي السابق.

وعقب هذه العملية، شهدت الضالع ولحج تظاهرات احتجاج غاضبة، للتنديد بما اعتُبِر "قصفا وحشيا للأحياء السكنية"، أدى إلى تدمير 30 منزلا، وتحول بعض هذه التظاهرات إلى مواجهات أدت إلى سقوط جرحى من المتظاهرين والجنود، ورفع أعلام دولة الجنوب السابقة، وترديد هتافات تطالب بـ "فك الارتباط" و"خروج الاحتلال".

ومع وجود الكثير من المعارضين لتوجهات الانفصال، وخصوصا استخدام العنف كوسيلة لتحقيق مطالب الجنوبيين، فإن التيار الداعي لذلك أخذ يتوسع على حساب الآخرين، مستثمرا حالة الشعور بالسخط، واستخدامها "رافعة" لتحقيق أهدافه، وخصوصا بعدما صار له قيادة تديره من الخارج، مع إعلان نائب الرئيس اليمني السابق علي سالم البيض قائدا لـ"مجلس قيادة الثورة السلمية الجنوبية". وعموما، فإن قوى "الحراك" الجنوبي كانت تواصل كسب المزيد من التأييد والدعم الشعبي، في حين أخفقت صنعاء في محاولاتها احتواء دوائر توسع "الحراك"، على رغم أنها أنفقت أموالا طائلة للتأثير في مواقف الوجاهات الاجتماعية والشخصيات الجنوبية ذات النفوذ، ولكن من دون جدوى.

ما يتسرب في الشأن اليمني يكشف أن مكونات "الحراك الجنوبي" ليست مجمعة على مطلب الانفصال، وهي تنطوي على تيارات مختلفة، أحدها يطالب بالانفصال، وآخر يطالب بتعزيز المساواة مع الشمال، إلا أن التيار الأول بدأ ينمو ويتعاظم، لأن التيار الثاني لم يفلح في تحقيق مطالبه؛ فمحافظة حضرموت، مثلا، ليست متحمسة للانفصال، كما هو الوضع في الضالع.

ما يخيف أكثر أن شبح الحرب البغيضة بات يخيم على سماء جنوب اليمن، لكن الفرصة الأخيرة للحل لم تُعدَم بعد، بانتظار مبادرة نوعية وجريئة تقوم على رؤية نقدية لكل الأخطاء والخطايا التي صاحبت التجربة، للقطع معها، وبدء صفحة جديدة في الوحدة المنشودة.

ولا ندري إن كانت الوحدة اليمنية مازالت قادرة على مواجهة التحديات الراهنة، غير أن استمرار تجاهل هذه التحديات أو مواجهتها بنهج خاطئ يمكن أن تكون له عواقب وخيمة، وهو كما جاء في قصة أبرهة الحبشي بقول عبد المطلب: "للبيت رب يحميه" يندرج على وحدة اليمن، وفي المحصلة لا يمكن أن يُجرّ الناس إلى الجنّة بالسلاسل، إنما بالتفاهم والإقناع.

من ينكر وجود الأزمة في اليمن فإنه مثل النعامة التي تضع رأسها في الرمال حتى لا يشاهدها أحد (على الأقل كما يُشاع).

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المشكلات (عبدالله الفلاح)

    الخميس 29 تموز / يوليو 2010.
    ثمة مشاكل كثيرة في اليمن .. ومزعجة ، ويبدو أن احد اهم المشكلات التي تساهم بشكل كبير في تفاقم 95 % من المشكلات هي الفقر .

    اما عن المقال فأرى انه جميل .. وشكراً على الالتقاطات .. يا صديقنا الجميل ،