عيسى الشعيبي

الترفيع إلى رتبة دولة

تم نشره في الأحد 25 تموز / يوليو 2010. 03:00 صباحاً

تحمل الخبرات الشخصية المتواضعة بلغة الخطاب السياسي العربي عموما، والفلسطيني على وجه الخصوص، على الاعتقاد بعدم جدية الرفض الفصائلي المعلن إزاء طرح أفيغدور ليبرمان الداعي إلى انفصال إسرائيلي كليّ عن قطاع غزة، لا سيما وأن هذا الخطاب الذي درج تقليديا على تعمية المخاطبين به عن رؤية الرغبات القابعة عميقا في الصدور، لم يبارح بعد انفعاليته ولم يتخل عن شعبويته المعتادة ومزايداته المفرطة.

ويبدو أن هذا التوافق الفلسطيني النادر على رفض هذا الطرح، الذي لم يتحول بعد إلى خطة إسرائيلية معتمدة، ناجم في الأساس عن سياسة التحفظ المشروع على كل مقترح إسرائيلي مهما كان نوعه، وعن الشكوك التاريخية المبررة بالنوايا المبيتة لدى قوة احتلال عنصرية غاشمة. فما بالك إذا كانت الفكرة صادرة عن واحد من أشد قادة إسرائيل عداءً للعرب وأكثرهم فجاجة في التعبير عن سياسات الكراهية والإجلاء والتوسع والتطرف بكل أشكاله؟

ونحن إذ نتحفظ على جدية الرفض من جانب قوى وأطراف ليست متماثلة في أهدافها، ولا في رؤاها أو في دوافعها المرحلية على الأقل، فذلك لأننا نعي أن طرح ليبرمان لم يتعرض إلى نقاش معمق من جانب أي طرف بعينه، وأن الصمت حياله من أي جهة كان سيجر عليها شبهة التواطؤ، ويجلب لها تهمة الموافقة الضمنية، ويفتح عليها نيران مدفعية كلامية حامية الوطيس. الأمر الذي جعل الجميع يتبارون في الشجب والتنديد في سياق محموم على تملّق العواطف العامة.

ومن المرجح أن يظل هذا الإجماع المؤقت على رفض أفكار الوزير العنصري الإسرائيلي قائماً إلى أجل غير معلوم، عصيّاً على أي اختراق، وذلك إلى أن تتحول هذه الأفكار الشارونية الجذر إلى خطة عمل أو برنامج إسرائيلي في طور التنفيذ، حيث سنرى حينها ما لا يخطر على بال من مواقف ملتبسة وسياسات مزدوجة، تعاني من الحرج في الدفاع عن نفسها وتبرير حيثيات رفضها الذي قد يفسر على أنه دعوة مشينة إلى إدامة الاحتلال، حتى لا نقول إبقاء غزة قابعة في قبضة الأمن الإسرائيلي الراغب لأسبابه الذاتية في إنهاء سيطرته على القطاع المحاصر.

إذ ما الذي يمكن به تسويغ معارضة إقامة محطات لتوليد الكهرباء وتنقية المياه ومعالجة الصرف الصحي من جانب الاتحاد الأوروبي مثلاً؟ وبأي دفوع متهافتة يمكن رفض إقامة خط بحري يصل قطاع غزة المعزول بالعالم ويؤمّن له استيراد السلع والمواد التي يحتاجها بإلحاح لإعادة إعماره وتنمية صناعته وزراعته وموارد خدماته؟ وكيف لأحد أن يسوّق مخاوفه إزاء هذا الطرح المريب حقا، ويبني مرافعته عن استمرار هذه الحالة الشاذة؟!

ذلك أنه إذا ما تم وضع هذه الأفكار موضع التطبيق فيما بعد، وجرى ترفيع الإمارة غير المعلنة إلى رتبة دولة، وتحقق لها الاعتراف الواقعي (ديفاكتو) وصار بإمكانها التواصل مع العالم الخارجي، ستتحول هذه الهدية المسمومة إلى عرض لا يمكن رفضه، ومن ثم سيتبدد الرفض تحت وهج إغراءات ملموسة لا يمكن تجاهلها، لا سيما وأن واقع الانفصال السياسي الأمني الإداري القضائي القائم في القطاع المحاصر، هو اليوم أكثر عمقاً وأشد وضوحاً من أي وقت مضى، ولا ينقصه سوى واقعة الاعتراف بشرعية ما، هو في أمس الحاجة إليها.

صحيح أن هناك طيفاً واسعاً سيرفض مثل هذا التطور المحتمل من منطلقات مبدئية، سواء داخل غزة أو خارجها، دفاعاً عن وحدة جناحيّ الوطن، وخشية من تعاظم المخاطر التي قد تقوّض المشروع الوطني الاستقلالي، إلا أن هؤلاء وأولئك يدركون في قرارة أنفسهم، وهم يتنفسون الصعداء، أن واقعة الانفصال باتت حقيقة من حقائق الشرق الأوسط، وأن لا مصلحة لأصحابها في التراجع عنها، وأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء أبداً، فوق أن كل أمر واقع يكتسب مع مرور الوقت دينامية خاصة به، تتولى بنفسها الدفاع عنه وتسويغه ببلاغة.

التعليق