د.باسم الطويسي

تجربة فقيرة في مكافحة الفقر

تم نشره في الخميس 15 تموز / يوليو 2010. 03:00 صباحاً

تثبت دراسة دائرة الإحصاءات العامة حول الفقر، الصادرة هذا الأسبوع، فقر الخبرة الأردنية في مكافحة الفقر، حيث دلت مؤشرات الفقر الإجمالية والنوعية على ازدياد الأوضاع سوءا، وبعضها ما يزال يدور في المعدلات نفسها منذ سنوات، رغم أن الدراسة تعتمد في مدخلاتها على مسوحات تعود إلى العام 2008، أي الفترة التي شهدت نموا اقتصاديا مقارنة مع الأوضاع الاقتصادية التي تشهدها البلاد منذ عامين.

تؤكد الدراسة المؤكد في مسوحات ودراسات سابقة، وعبر المشاهدات اليومية حول تركز انتشار الفقر في المحافظات الأردنية، وتحديدا في محافظات الجنوب التي تعاني جميعها باستثناء العقبة من أعلى معدلات للفقر إلى جانب محافظة المفرق، بمعنى أننا ندور حول الفجوة التنموية التي أخذت تتعمق منذ عقدين وخلقت الاختلالات الاقتصادية ثم الاجتماعية، وأخيرا الأمنية، ما يجعل هذه الفجوة، وفق ما تذهب إليه الدراسة الأخيرة، مصدر التهديد الداخلي الأول للأمن الوطني بمفهومه الشامل.

وعلى الرغم من البرامج الحكومية ومحاولات الإصلاح الهيكلية التي تردد أنها موجهة لخدمة ردم الفجوة التنموية مع المحافظات، التي نكاد نجزم بأنها احتلت الترتيب الأولي في الخطاب الحكومي التنموي خلال خمس سنوات مضت، إلا أن الوقائع التي تشير إليها الدراسة الجديدة تثبت بأن السياسات الحكومية ذهبت بالاتجاه الآخر نحو المزيد من التهميش والمزيد من تركيز الثروات.

مؤشر نسبة فجوة الفقر ازداد في المحافظات المهمشة، وهي ست محافظات (ثلاث في الجنوب، اثنتان في الشمال، واحدة في الوسط)، فيما تراجع مؤشر فجوة التنمية في العاصمة وبعض المحافظات المركزية، كذلك الأمر الذي يتكرر في مؤشر شدة الفقر وفي جيوب الفقر التي تنتشر في محافظتي المفرق ومعان أكثر من غيرهما، كما هو الحال في معظم مؤشرات الفقر السلبية الأخرى في هاتين المحافظتين اللتين تحتاج كل منهما إلى خطة طوارئ وطنية مستقلة.

إلى هنا، فقد حان الوقت أن نستدير استدارة كاملة نحو بناء منظور وطني نقدي للسياسات التنموية التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي، والأخرى التي يخطط لها حاليا، فالدوران في الحلقة المفرغة للفقر يعني في المحصلة سلسلة من الحلقات المفرغة التي تضرب مسار التنمية والتحديث في العمق؛ ما يفسر حالة الدوار وغياب الرؤية التي أوجدها الدوران في هذه الحلقات من دون جدوى.

فقر الخبرة الأردنية في مكافحة الفقر، يحتاج إلى مراجعة كفاءة الدولة وبرامجها في إحداث الفرق والتغير والعجز عن الوصول إلى الناس، وفقر هذه التجربة يعني مراجعة أدوات التخطيط للتنمية على المستويات الدنيا والوسطى، فلا تكفي العناوين والشعارات التي تُطلى بها السياسات والاستراتيجيات على مستوى الاقتصاد الكلي، ما يعيدنا مجددا نحو البحث عن منظور محلي للتنمية المحلية يعتمد على التكامل القطاعي والابتكار في الحلول المحلية والتجسير بين حاجات الناس وتنمية قدراتهم، كما أن هذه التجربة الفقيرة تحتاج إلى مراجعة جريئة أخرى لجهود القطاع الثالث من المؤسسات الأهلية والمدنية التي اتخذت من عناوين التنمية والفقر مداخل لها. نريد من يقول للمجتمع الأردني ما هي محصلة إنجازات هذه المؤسسات في مكافحة الفقر.

المفارقة أن فقر الخبرة المحلية في مكافحة الفقر يقابله ثراء وطني جديد في دراسات الفقر، كما فعلت دائرة الإحصاءات العامة في هذه الدراسة، وهي جهود تستحق الثناء وتؤكد الحاجة إلى مبادرة من إحدى الجامعات لإنشاء مركز متخصص في دراسات الفقر.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فقر التنمية (امل العبادي)

    الخميس 15 تموز / يوليو 2010.
    دائماً نتفاجئ بكتاباتك الرائعة التي لا تعبر الا عن كاتب متمكن ومطلع وقادر ان يحلل وبقدم الحلول وهذا الشئ الرائع في مقالاتك واعتدنا ان تقدم تحليل جميل وحلول واقعية دون ان نتعلق بالنجوم ونقع على الارض
    باطلاعي المتواضع على مسارات التنمية في محافظات الاردن نجد كم من المبالغ المصروفة على هذا المسار وفي نهاية المطاف لا نلمس اثر فعلي على ارض الواقع نتعامل مع ارقام احصائية كما كتبت في مقالة سابقة ولكن ليس لها قيمة على الارض والدليل ان الفقير يزداد فقراً والافراد من الاسر المتوسطة الدخل سابقاً بدات تدخل على تصنيف الفقراء وذلك نتيجة الاوضاع الاقتصادية التي شكلت ثقل كبير على المواطن فالتضخم الذي نشهده لا يجد مقابلة تحسين على معيشة الناس لتستطيع مسايرة هذا التضخم نعود لنفس السؤال اين الخلل لنجد ان الفجوة تزداد بين ما يتم تنفيذه على ارض الواقع من مشاريع التنمية وبين ما يحتاجة الناس فعلياً.
    اشكر الكاتب وهذه الصحيفة المتميزة دائماً