إبراهيم غرايبة

أبو زيد الذي سبق عصره

تم نشره في الخميس 8 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

لو كانت مقولات أبو زيد ودراساته أطلقها اليوم لوجدت قبولا أو على الأقل مرت بهدوء ومن دون احتجاج كبير ومحاكمة وتكفير، لكن ربما لم تكن الحالة الفكرية والعلمية المتعلقة بالدين اليوم والتي تتضمن جرأة كبيرة في إعادة الفهم والتأويل، وتقتحم مجالات جديدة من التفكير كانت محرمة، ربما لم تكن لتتحقق لولا فدائيون من أمثال نصر حامد أبو زيد، افتدوا بأنفسهم فكرتهم، فالأفكار والمقولات الجديدة تحتاج دائما إلى رواد وإلى تضحيات أيضا، وتبدأ غريبة مستهجنة، ثم تجد قبولا وانتشارا، وربما لم تكن لتتمكن من غير تضحيات، وربما كانت المسألة ارتقاء في الفهم والتصور سبق البعض بطبيعة الحال بدرجات، وظهروا مختلفين عن المجموع.

الاختلاف عن المجموع سواء كان هذا الاختلاف صوابا أو خطأ يشكل غالبا/ دائما مصدرا للألم والمعاناة، ولشديد الأسف فإن الناس عندما يدركون هذا الاختلاف يكون المختلف قد انتقل إلى مرحلة جديدة، ويظل أبدا مختلفا/ سابقا/ معزولا يمشي وحده ويموت وحده وربما يبعث وحده، ولا يحاول المجموع أن يتذكروا بأنه اليوم في حالة كان يستنكرها ويرفضها قبل عشر سنوات.

ويمكن بالنظر إلى "الصحوة الدينية" الحديثة في تشكلها في أواخر الستينيات ونموها في السبعينيات وانتشارها في الثمانينيات واكتساحها للعالم في التسعينيات وسيادتها وتمكنها في أجزاء كثيرة من العالم في الألفية الثالثة، ملاحظة حجم تغير أفكارها وتبدل مواقفها وتطور نظرتها إلى الحياة والكون والقضايا والأحداث، ولكن لا يمكن ملاحظة الاعتراف بالتغير والمراجعة ولا الشعور بالاختلاف وما الخطأ وما الصواب، وهذه حالة تجعل التحولات والتغيرات قليلة الفائدة، لأنها بصراحة سلوك جمعي يحركه عقل باطن غير مدرك بوعي وبوضوح التحولات التي يسلكها، ولا يريد ان يعترف بالدوافع والمصالح التي توجه سلوكه وأفكاره.

ولا يمكن بتقديري تحقيق التقدم وتوظيف هذه التحولات إلا ضمن مجموعة من الشروط والأفكار المحيطة بالعمل والحياة، الفردية/ فردانية باعتبارها أساسا للحياة والأفكار، ومن دون الاعتراف بالفردية وتوظيفها في الإبداع (لا إبداع من غير فردية)، والقبول بها مصدرا للتفكير والوعي وملاحظة الفرق بين تطلعات الناس وواقعهم، هذا الوعي المسبق هو الذي يمنح التقدم ويعطي المجال واسعا للنظر والتأمل والمراجعة والمقارنة، لكن هذا الحراك التلقائي الجماعي مهما كان سريعا ومرنا فإنه يبقى عرضة للإجهاض والاستدراج، ويظل دائما غير مصحوب بالوعي الذي يدرك ما هو متحقق وما هو غير متحقق، ولا يمنح معرفة الفرق بين الإنجاز وما يجب تجنبه، لكنه يظل تعبيرا عن الحالة السائدة بحسناتها وسيئاتها وعجرها وبجرها، واحتمال الاستدراج والتضليل.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قد أكون مختلفاً معك بالرأي ولكن... (عمر أبو رصاع)

    الخميس 8 تموز / يوليو 2010.
    العزيز الأستاذ ابراهيم غرايبة
    تحية اعزاز وتقدير وبعد
    اتابع عن كثب -وإن كان بشيء من التقصير على مستوى التعليق والمشاركة- مقالاتك الخاصة بالشأن الفكري والثقافي وما يتعلق به من اصدارات، أرى أنها تمثل إرشادا واشارة نوعية مهمة.
    بطبيعة الحال الحديث عن الأستاذ الدكتور نصر حامد أبو زيد حديث ذو شجون، وحديث إذا ما عرجنا به إلى مستوى الطرح والمضامين الفكرية، يحتاج منا ابحاراً تضيق به اعمدة الصحف، إلا أن أبرز ما ميز قصة الدكتور أبو زيد هو فعلاً تلك القضية التي رفعت ضده لاستصدار حكم قضائي بكفر الرجل وبطلاق زوجه منه!
    وهنا ينبغي التوقف طويلاً، ليس للدفاع عن أبو زيد كمفكر، ولا لأخذ موقفاً مما طرح، بل وذلك هو الأهم للدفاع عن حرية الضمير الإنساني فكراً واعتقاداً وتعبيرا.
    وهنا مربط الفرس
    الذي يجعلنا نستذكر تلك القضية بحرقة وألم، فهي التعبير الأكثر فظاظة عن التدهور الذي عاشته الأمة العربية منذ نكبتها عام 67، التعبير الأكثر أمانة عن مدى الإيمان بالقيم الإنسانية التي كرستها حضارة الإنسان، عندما صدر وبشكل عالمي انساني ميثاق حقوق الإنسان، موافقاً لما سبق أن قررته آيات الكتاب (كما أفهمه وأؤمن به)، من أن الإنسان وعلى مستوى المعتقد والتعبير عن هذا المعتقد حر لا يجوز تقييده.
    فلقضية كتلك التي اثيرت ضد الكتور نصر أن تهز الضمير الجمعي، وأن توقفنا طويلاً أمام المقولة الشهيرة:" قد أكون مختلفاً معك في الرأي ولكني مستعد للموت حتى تقول رأيك المخالف بحرية".

    سلم قلمك
  • »>>> (هيثم الشيشاني)

    الخميس 8 تموز / يوليو 2010.
    ""ضمن مجموعة من الشروط والأفكار المحيطة بالعمل والحياة"" نحتاج وقتا ً طويلا ً لتقبل (فكرة) الشروط أولا ً ؛ التعليقات دليل على ذلك أستاذنا.
  • »إبداع (وائل أبو هلال)

    الخميس 8 تموز / يوليو 2010.
    لماذا يا إبراهيم تقتل فكرتك الجميلة باستفزازك للآخر؟
    هل أصبح ابو زيد أبا ذر الغفاري؟ وهل أصبح أحد رواد الإصلاح والتغيير في العصر الحديث؟ وشهيدا لأفكاره التي لا تنير إلا إذا أضاءها بدمائه؟؟؟!! هل الإبداع يعني مصادمة الجميع بالضرورة؟ أليس الإبداع أن تقنع الآخرين بما تراه صوابا؟ ما فائدة الإبداع المعزول عن بيئته ومحيطه ولا يمكن توظيفه فيما ينفع الناس؟ هل بالضرورة المبدع يجب أن يبقى في خلف كجلد الأجرب؟!! أليس المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم (عدم وعيهم لأفكاره الإبداعية من أشد الأذى!) خيرا وأحب إلى الله ...؟
    ما كان ضرك لو كنت في صف الإبداع ولم تكن في صف "أبو زيد" (كحالة وليس كفرد)؟
    رحم الله من جبّ الغيبة عن نفسه. خاطبوا الناس على قدر عقولهم. درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
    مع كل ذلك أصل فكرة مقالك: "التحولات الفكرية في الحركة الإسلامية" وما يحيط بهذه الظاهرة لا شك أن بحثه والدخول فيه والجرأة على الحوار فيه يحتاج إلى إبداع!! سلمت ويسلم الإبداع!!
  • »Abu Jahel (Hatem)

    الخميس 8 تموز / يوليو 2010.
    Nasr Hamed abu zaid was not a ( Fdaay) he was ( Molhed) when a man refuse the Holy Quran and make jokes about the aeat of Quran you can't say that he is some thing good and he came with some thing new, no he is just like Salman roshdi and like Abu Jahel.
  • »ابو ذر (سهل بطاينة)

    الخميس 8 تموز / يوليو 2010.
    لماذا يا سيدي لم تقول انه ابو ذر بعث من جديد.انا لله وانا اليه راجعون على كل من لم يتق الله ...انا اعرف يقينا ان هذا التعليق لن ينشر في صحيفة الليبرالية الجديده