لماذا لا يمنحون "كرزاي فلسطين" فرصة؟

تم نشره في الخميس 24 حزيران / يونيو 2010. 03:00 صباحاً

الحركتان -حماس وفتح- تستمران في اللعب بمصير الشعب الفلسطيني، فالأولى لا تريد إجراء انتخابات تشريعية، والثانية لا تريد انتخابات بلدية.

وحسب معلومات مؤكدة فإن سبب تأجيل الانتخابات البلدية والقروية في الضفة الفلسطينية كان فتحاويا داخليا بامتياز، ومجموعة الذرائع التي طرحت لتسويغ هذا الأمر إنما كانت محاولة لإظهار التأجيل وكأنه يصب في خانة "الضرورات الوطنية"، وخاصة ما قيل عن "إعطاء الفرصة مجددا للمصالحة الوطنية".

ومردّ ذلك أن حركة فتح لم تتمكن من التوافق داخليا على قوائم مرشحيها في مدن الضفة بشكل رئيسي إثر خلافات عميقة، وكمثال على ذلك؛ لم تتمكن الحركة من تشكيل لائحتها في مدينة نابلس، حيث ترشح لرئاسة بلديتها أمين سر المجلس الثوري للحركة أمين مقبول في الوقت الذي أصر على منافسته - في لائحة أخرى وباسم فتح أيضا- عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير غسان الشكعة، ما جعل قيادة الحركة تتخوف من تكرار ما حصل في انتخابات المجلس التشريعي الماضية، عندما تنافس مرشحو فتح مع بعضهم في لوائح وقوائم متقابلة، ما أفسح المجال لمرشحي حركة حماس، ففازوا بغالبية المقاعد المخصصة للدوائر التي تكررت فيها هذه الظاهرة.

لهذا، ومن واشنطن "مربط خيلنا"، اتصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس برئيس وزرائه (المصرّف للأعمال) في
رام الله سلام فياض، وطلب إليه عقد اجتماع لمجلس الوزراء، واتخاذ قرار بإرجاء الانتخابات، بعد أن طلبت اللجنة المركزية للحركة من الرئيس عباس التدخل لطلب التأجيل، حيث فشلت في حسم موضوع تشكيل قوائم الحركة في هذه الانتخابات.

هذا في الانتخابات البلدية، أما في التشريعية فقد ثبت أن حركة حماس هي التي تعطل إجراءها، إذ إن عباس دعا إلى إجراء هذه الانتخابات في 25 يناير 2010، وهو يعلم أن القرار لن ينفّذ في غزة، لأن حركة حماس التي تسيطر على القطاع ترفض هذه الانتخابات، كما ترفض التوقيع على الورقة المصرية للمصالحة.

استمرار الأزمة الفلسطينية على هذا المنوال، ومهرجان الشتائم المفتوح بين الطرفين من خلال قيادات صغيرة، أصبح ظهورها على شاشات الفضائيات يصيب المرء بالغثيان، والمناكفة السياسية الممجوجة، وترسيخ ثقافة الانقسام، وتناقضات المواقف.. كل ذلك أوصل حتى المتعاطفين مع القضية الفلسطينية إلى أن يكفروا بها، فلا أبو مازن وجماعته يستطيعون حكم الشعب الفلسطيني، حتى لو تحالفت معه كل دول العالم وأجهزتها، ولا حركة حماس وكسورها العشرية في دمشق يمكن في يوم من الأيام أن تمثّل الشعب الفلسطيني، لأن الشعب باختصار ليس كله ولا حتى نصفه فتح وحماس.

حماس الآن تحاول أن تحتفظ لنفسها بعنوان المقاومة، لأن في هذا العنوان مكاسب سياسية ومادية.. وغيرها، وتؤيد في الوقت نفسه تجميد العمل المقاوم، ولو بالضغط على الآخرين، من دون أن تحمّل نفسها مسؤولية هذا التجميد، وفي الوقت نفسه تحاول أن تبحث لنفسها إقليميا عن دور سياسي منافس لدور الرئيس محمود عباس، وأحياناً بديل عنه، مع الترويج بأن عباس رجل ضعيف (وهو كذلك)، وأن بمقدور حماس أن تقدّم للغرب ما لا يستطيع عباس تقديمه. ودليلها على ذلك أنها بقوة السلاح أمسكت بخطوط التماس، ومنعت المقاومة عن إسرائيل، وقضت على التيارات الإسلامية المتطرفة، وأنها على استعداد للذهاب بعيداً على الصعيد السياسي.

يتوه الفلسطينيون من جديد، ويقفون الآن على مفترق طرق حقيقي، سيدمّر سنوات النضال الستين التي قدّم فيها الشعب شلالا مفتوحا من الدماء، ذهب جزء منها بسبب حماقات بعض القيادات، وذهب جزء آخر نتيجة مؤامرات عربية وغربية، والحصة الأقل كانت لمواجهة حقيقية مع إسرائيل.

الحماقات ماتزال مسيطرة، والمصيبة الكبرى أن الشعب المسكين يدفع من دمه واستقراره وتعليم أبنائه وجوعهم فواتير هذه الحماقات.

أمام هذا الواقع، يأتي مشروع سلام فياض، الذي لم ينضم يوما لا إلى فتح ولا إلى حماس، ومع هذا لم يسلم من نقدهما، فحماس تقول إنه "شخصية غير شرعية، اغتصب الحكم في الضفة الغربية من دون وجه حق، حيث إن المجلس التشريعي لم يعطه صلاحية هذا الحكم"، وسياسيو فتح يفتحون النار عليه لأنه لا يستمع إلى توجيهاتهم باستمرار.

فياض جاء إلى السياسة الفلسطينية بعد 12 عاما من العمل في صندوق النقد الدولي، وبرغبة عربية وأوروبية وإسرائيلية، والأهم أميركية، فقد كان رفيق مقعد الدراسة في تكساس لجورج بوش، وبعد أن عُيّن وزيرا للمالية في عهد عرفات، تبين أن الرجل اقتصادي بامتياز، ويؤمن بالشفافية.

ابن التجربة الاقتصادية الاجتماعية التي تؤمن بأن تحسين مستوى معيشة الناس أولوية قبل كل شيء، لا يكتفي بنجاحاته الاقتصادية، فقد انتقل إلى مرحلة جديدة بتشجيع كثيرين في العالم، حيث أعد خطة مفصّلة لجميع المكاتب الحكومية الفلسطينية للسنتين المقبلتين، ويعلن أنه ينشئ الدولة المقبلة، ومنذ اللحظة التي عرض فيها خطته المفصلة، في مؤتمر صحافي، تلقى تشجيعا كبيرا من جهات دولية مختلفة عبّرت عن استعدادها للمساعدة.

برنامجه واقعي، فهو يعرف أن موازين القوى في العالم ليست في مصلحة شعبه، ويعرف أن الوجع الفلسطيني يحتاج إلى عشر.. عشرين سنة ليجد الترياق.

ولعلها فرصة يلتقط فيها الناس أنفاسهم، ويعودون للحياة الطبيعية، فيرسلون أبناءهم لمدارس محترمة، ويفكرون في جامعات ترفع من مستوى تعليمهم.

ولعلها فرصة، لسد ثغرات نفسية واجتماعية أصابت العقل والوجدان الجمعي الفلسطيني، بعد توالي النكسات والمذابح، وعقم المفاوضات، وفي زمن مسيرة السلام، استشهد من الفلسطينيين أكثر مما استشهد قبلها.

الفلسطينيون الآن أمام واقعين؛ "غزة الآن أكبر سجن مفتوح في العالم، والحصار على غزة أصبح أطول من الحصار الدولي الذي تعرضت له سراييفو".. هذا ليس قولي، لكنه قول المفوض العام لوكالة "أونروا" فيليبو غراندي، والضفة الفلسطينية جزر متناثرة تمزقها الحواجز، وتجثم فوق رئتيها المستعمرات، وأخيرا، تدمير بيوت حي البستان من قبل بلدية الاحتلال في القدس.

بعد أن جرب الفلسطينيون كل حالات النضال، لماذا لا يمنحون "كرزاي فلسطين" فرصة لاستكمال مشروعه، فهم في مرحلة خسائر بالجملة، ولن يضيرهم أن يتركوا فرصة أخيرة تأخذ مدياتها؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عاشت الواقعية (سارة الخطيب)

    الخميس 24 حزيران / يونيو 2010.
    رغم ان المقال طويل، الا انني استمتعت بقراءته من خلال الواقعية الجديدة التي اصبحت تصل الى عقل النخب الفلسطينية، لقد عاش الشعب افلسطيني طويلا وقدم الالاف من الشهداء على وقع شعارات لم تكن تحمل في طياتها مشاريع حقيقية قد تركب على الارض، لهذا كان الواقع الفلسطيني كريما في تقديم الشهداء لكن الانجاز لا يذكر، لا بالعكس دائما تعود الامور الى الوراء، ويتحسر الفلسطينيون على مراحل حرقوها كان من الممكن الاستفادة منها اكثر، الان وبعض ان تراجعت القضية الفلسطينية عربيا ودوليا ولدى اصدقائها، بسبب التناحر والانقسام الفلسطيني، لماذا لا نجرب سلام فياض فلن نخسر اكثر مما خسرناه، وعللى الاقل مشروع سلام فياض ليس له كلف من دم الشعب الفلسطيني.
    دمرنا غزة عن بكرة ابيهاوشرد شعبها تحت شعار المقاومة -وانا مع المقاومة- لكننا لم نفعل شئ حتى في موضوع المقاومة قتلوا الف وخمسمائة غزاوي ولم تقتل المقاومة 20 جندي اسرائيلي.
    يكفي لعب بالدم الفلسطيني.
  • »مقال نوعي (بسام حمدان)

    الخميس 24 حزيران / يونيو 2010.
    لقد اصبت استاذ اسامة كبد الحقيقة، لقد كفر الناس بفتح وحماس فلماذا لا يجربون مرحلة سلام فياض، نسمع ان فياض يبني مؤسسات في فلسطين، يوتابع انجازها وهذا ما يحتاجه الفلسطينيون هذه الايام، يكفيهم وعود رنانة كذابة من قيادات لا تعرف سوى الحديث امام الفضائيات، لقد وصل الوضع الفلسطيني الى اوأ حالاته، ولا يزال هناك من يزاود على دم هذا الشعب المسكين، اتحدى اذا جرت انتخابات حرة ونزيهة ان يتحقق فتح وحماس نتائج ايجابية فيها، فالفلسطينيون كفروا بكل الشعارات، بعد ان وصل الحال بهم الى انتظار المساعدات والبواخر التي تحمل الرز والسكر
  • »Indian (محمد الهندي)

    الخميس 24 حزيران / يونيو 2010.
    "فياض جاء إلى السياسة الفلسطينية بعد 12 عاما من العمل في صندوق النقد الدولي، وبرغبة عربية وأوروبية وإسرائيلية، والأهم أميركية"
    ما شاء الله , كل هؤلاء يريدون سلام فياض وهو يعمل لصالح الشعب الفلسطيني؟
  • »الفرصة المتاحة (عبد العزيز الوادي)

    الخميس 24 حزيران / يونيو 2010.
    من قال ان الرئيس عباس لم ياخذ فرصته فمنذ سبعة عشرة عاما اي منذ وقع عباس على اتفاقية اوسلوا ونحن ننتظر.. انتهت المهلة الاولى والثانية والثالثة والى ما لا نهاية ستستمر اسرائيل بالتلاعب بعباس حتى تجرده من كل شيء ولن تكتفي ستاتي باخر بعد عباس كدحلان مثلا وتاخذ منه تنازلات اكير ثم تاتي باخر غير دحلان كسلام فياض وتاخذ منه اكثر وهكذا حتى نصل الى الموافقة على منح اسرائيل كل فلسطين مقابل السماح للفلسطينيين بالماء والخبز والهواء.
  • »MoutazMas (MoutazMas)

    الخميس 24 حزيران / يونيو 2010.
    كنا نقول بالزمان ... اكتر من قرد الله ما مسخ .... وكمان ... اكتر من هيك ما رح تسوء الحاله

    بس الظاهر والله اعلم صار في مسخ اكتر من القرد, وكل مالها الحاله عم تسوء اكتر من قبل, للاسف ما بقي فرص جديده ولا وقت لها
  • »شتان بين الثرى و الثريا (احمد)

    الخميس 24 حزيران / يونيو 2010.
    شتان يا صديقي بين الثرى و الثريا
  • »اين المفرّ (مدحت سماره)

    الخميس 24 حزيران / يونيو 2010.
    لا يمكن ان اتفق مع ما ورد في مقالة الكاتب اعلاه لأن هذا المشروع، مشروع اقامة دولة او على الأصح "دويلة" هزيلة حتى انها عمليا ليست "قابلة للحياة " تبعا للمزاج العبري على ما يتبقى من الاراضي الفلسطينية التي تتنازل عنها لنا اسرائيل في الضفة الغربية المحتلة والتي يقوم عليها ما يسمى زورا "سلطة الحكم الذاتي" . فهذه الدويلة ليس من شأنها النظر في مصيرحياة شقاء ملايين الفلسطينيين القابعين في عالم الشتات بل الاكتفاء ، وكفى الله "المؤمنين" القتال ، بتسيير الامور في الضفة وليذهب الآخرون الى الجحيم ، أو "ومن بعدي يكون الطوفان" . بمعنى أن حال هؤلاء سيبقى على ما هو عليه حيث انهم ليسوا جزءا من الحل الذي أخذ بالجزيْ
    حتى دون الجزء الأمر الذي يطرب دولة الاحتلال الصهيوني والأمم السائرة في الفلك
    الاسرا – امريكي .
  • »تبسيط غير واقعي (تامر)

    الخميس 24 حزيران / يونيو 2010.
    هذا تبسيط لقضية معقدة. فالسلطة لاتحصر نشاطاتها بالعملية الإقتصادية فقط ولو إقتصر الأمر على هذا لإتفقنا معك.
    السلطة تفاوض بإسم الفلسطينيين وتقدم تنازلات خلف تنازلات وتسجن المقاومة وتعذب المعارضين وتنشر الفساد وكلنا نتذكر فضيحة أشرطة الفيديو,
    وتوزع الهبات الدولية على المقربين وتحاول إفشال لجنات التحقيق الدولية كما فعلت مع لجنة جولدستون وكما تفعل الآن مع لجنة قافلة الحرية وهلم جرا. كلامك جميل ولكنه يصطدم مع واقع مؤلم هو انه كل يوم تكون فيه السلطة الشعب الفلسطيني يقترب اكثر فأكثر الى حافة الهاوية. وفياض سواء رضي ام رفض هو جزء من هذه السلطة.