لاح العلم الأصفر لاح ...

تم نشره في الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010. 03:00 صباحاً

مجاهد عبد الإله مواطن عربي عادي جدا، له قصة جميلة ومليئة بمؤثرات صورية وصوتية، تستحق أن تروى لهدف اللهو ليس إلا!

ففي صيف العام 1977 كان مجاهد يقف ضمن طابور طويل أمام بوابة القنصلية الايطالية، جواز سفره بيمينه، وبداخله إعلان فتح الباب لمهاجرين جدد المقطوع من صحيفة شبه رسمية، ولم ينفك حينها مجاهد عن ترديد كلمات حفظها من كتاب "تعلم الايطالية من دون معلم": بونجورنو سينيورا، لو اومو لي ايطاليا! وعلى سبيل اجترار العواطف الجياشة والتي عرف أنها من ملكات الإيطاليين، حرص مجاهد على إظهار طرف كتاب مذكرات غيوسبي!

لم يكن المسكين حتى تلك اللحظة يعرف أن قانون الهجرة الى ايطاليا، لا يلتفت لاستعراضاته المكشوفة، بقدر ما كان يحتقر كثيرا أن تكون خانة الاسم لطالب الهجرة مملوءة بكلمة ... مجاهد.

وفي خريف العام 1981 كان "أبو عمر المختار" وهو لقبه الذي اتخذه نكاية بالطليان، بعد أن منّ الله عليه بولد يردد أمام موظفة السفارة الفرنسية: بونجور مدام، جوم لا فرانس! ضحكت المدام من حروفه الشاذة وعلى ياقته الفراشة، وهزت رأسها أن لا مكان تحت قوس النصر، يتسع لمجاهد آخر، حتى لو كان يتقن عزف نشيد الثورة الفرنسية، على آلة الاكورديون التي أقرضته إياها فرقة الميراج آنذاك!

شتاء العام 1996 كان قارسا جدا والثلج يعيق حركة السيارات، التي توقفت في منتصف الشوارع، واضطر أصحابها إلى إكمال الطريق مشيا على الأقدام. حمل مجاهد ولديه عمر المختار ومليكة "على اسم المجاهدة الجزائرية مليكة قايد"، الى منزل جدتهما، وأثناء صعوده الدرج الطويل، لم يتوقف لسانه عن شتم زوجته التي رفعت عليه قضية طلاق، بسبب "اضطرابه العقلي" كما ادعت، وكل ذلك لأنه مصر على التوجه الى السفارة البريطانية، دفعة واحدة، وولوج مضارب حلمه أوروبا من أصعب أبوابه.

تلقفت والدته العجوز ولديه وحقيبة الحليب والحفاظات. كما تلقت صفعة فشله في الحصول على الفيزا، بكل صبر وتفهم واحترام. لكنها في الوقت ذاته حرضته بكل ما أوتيت من دهاء الأمهات، على استرجاع زوجته، خصوصا وأنها حامل في شهرها الثامن، كما طلبت منه أن يخزي الشيطان، من دون أن تحدد تماما من تقصد. وشجعته على فكرته النيرة، بأن يطلق اسم أمين على الطفل القادم "جكارة" في الإنجليز!

حزيران 2010 ...

عمر المختار، مدير في شركة عقارات عالمية، قرر أن يبقى برفقة زملائه وزميلاته، هذا المساء في المكتب لمتابعة المباراة العظيمة، وقد شدد على كافة الموظفين، ارتداء قمصان رياضية مزينة بالعلم الإيطالي!

مليكة الموظفة في أحد الفنادق المهمة، كادت أن تخسر عملها اليوم، بسبب صراخها على عامل التنظيف والذي بينما كان يمسح سيارتها، ضيع من دون أن يقصد علم فرنسا المعلق على مقدمة الزجاج!

أمين الطالب في الصف الثامن، ستره الله من موت محقق، بعد أن انزلقت قدمه المعلقة على حافة النافذة، فسقط من الدور الثاني على ظهره وأصيب بكدمات بليغة، لكنه لم يأبه لآلامه المبرحة، بقدر احساسه بالعجز من فشله في تعليق علم بريطانيا!

نسيت أن أخبركم أن مجاهد وبعد أن مل من طرق الأبواب الأجنبية، قرر أن يفتح له كشكا يبيع فيه الكتب والصحف لبعض المارة المقبلين على القراءة. لكنه أبدا لم يرض أن يعرض كتبا تعلم لغات من دون معلم. كما أنه رزق بصبي رابع هو ملهاته أيام الكهولة ... تريدون أن تعرفوا ماذا أسماه؟

عبدالناصر ... وهو يركض الآن في الحارة وبيده خيط طائرته الورقية، الملونة بالأسود فقط!

hanan.alsheik@alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الواقع المأساوي (باهر ندوة)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    الى جريدة الغد المحترمة
    لماذا لم تنزلوا الى الشوارع و تصوروا الفضائح التي يقوم بها البنات قبل الشباب و هم يشجعون تلك الفرق ؟؟؟ لست ضد الرياضة لكن الأمر زاد عن حده!
    شكرا للقصة الرائعة التي كتبتها الكاتبة حنان كامل الشيخ
  • »اشمعنى ؟؟؟؟؟؟ (مواطن برئ)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    و المشكلة يا اخت حنان انو لمن تصير مناسبه عربيه ما بيسمحو نحمل اعلام
    احنا بنحترم القانون بس بنحترمه اكثر لو طبق على الجميع
  • »علم وعلم (ماجد المدني)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    عزيزتي حنان لقد رفرف مقالك بنا عاليا واصبح زادنا الاسبوعي.وعليه لقد رفعنا اعلام كل الدو ل في عقولنا وقلوبنا وامام بيوتنا وحتى في غرف نومنا الا اننا سنبقى في نظر هذه الدول كما نحن ونظرتهم لنا لن تتغير حتى لو سمينا اولادنا على اسماء هذه الدول وليس رفع اعلامها فقط .لقد ملات شوارعنا اعلام الدول الصغيره والكبيره من اجل تشجيع كرة القدم ولكن هل رفع درجة وعينا وادراكنا لما يدور حولنا "وبالنتيجه رفعت الاعلام وقل العلم"
  • »لا العلم الاحمر يا حنان (متابع باهتمام)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    بكل الروعة ... تهديننا مرآة تكشف صباحنا المهترئ ...
  • »واقع مخزي (ع.ع)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    الكاتبة حنان الشيخ
    كل كلمة كتبتيها في القصة مفهوم مغزاها ! العرب لن يعتبروا مما يتلقونه من بلاد الغرب , وحتى بطولاتنا التي نتمسح فيها من وحي تمسكنا بالمنجزات التي قدمها أشخاص لن يتكرروا .
    شكرا لأنك أتيت على ذكر البطل جمال عبد الناصر و شكرا على الاطاحة بهواية رفرفة أعلام الغرب .
  • »العالم و نحن (Abdullah)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    مع أنني من المتابعين الدائمين لكأس العالم و مباريات كرة القدم عامة إلا أنني أتفق مع طرحك تماما!!
    ما لنا نحن لنرفع أعلام فرنسا انجلترا و غيرهما!!
    أسلوبك رائع أستاذة حنان و وضعنا فعلا مبكي.
    بالأمس كانت أعلام تركيا و فلسطين و ما أن بدأت كأس العالم نسي الشعب كل القضية!!
    أنا بتابع كأس العالم بس عشان أتسلى، مش عشان أنهبل!!
  • »قصة رائعة (عزام أبو الحمـام)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    الكاتبة المحترمة،،
    قرأنا قصة قصيرة رائعة تضمنت في أحشائها رواية حقيقية ، رواية لمسيرة أمة وضياعها وشتاتها، رواية فيها الكثير مما يقال وفيها الكثير من الأسئلة العميقة...
    والأهم أن كل ذلك جاء بأسلوب قصصي- روائي رائع ومشوق.
  • »اللون الاسود (عاتكة الشوا)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    أبدعتي حنونة مع اني زعلت على الطيارة السودا
  • »مرعب (سامي عوده)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    ست حنان

    المقال مرعب جدا

    قوي

    كنت مصدع علصبح الأن راح الصداع

    تحياتي
  • »حنان كامل الشيخ كاتبة الثلاثاء الرائعة (منى حسن نمر)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    ستبقى الشعوب العربية تنتظر من ينقذها من هذا الكابوس وسيبقى الأمل موجودا طالما هناك اجيال جديدة تتذكر تاريخها الجميل وابطالها العظام من مثل عمر المختار و مليكة و جميلة بوحيرد واحمد بن بيلا وقائد القومية العربية جمال عبد الناصر ، و مايدريكي ربما هذا الطفل عبدالناصر الذي يحمل العلم الاسود هو عبد الناصر القادم ليعيد للعربي شعوره لكرامتهم واعتزازهم بعروبيتهم.. وشكرا
  • »لمن تُقرع الأبواب (د. ناجى الوقاد)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    تأسرنا الكاتبه حنان كعادتها بأسلوبها الرائع الذى يمتاز بالسهولة والرشاقه وهى تُعالج بعض القضايا الخاصه والعامه معالجة تستوفى انطباعا ذاتبا وهى تسجل لنا هذه التاملات والمشاهدات التى تغلب عليها العفويه
    لقد صحبتنا فى مشوارها مع هذا المواطن المولع فى العيش فى اى من الدول الغربيه والتى فشل فى محاولاته للدخول اليها الى ان وصلنا الى كيفية تشجيع ابناءه المتعصب لمنتخبات هذه الدول فى كاس العالم وكيف اطلق اسمعبد الناصر على ابنه اخر العنقود والذى يجول الحاره بطائرته الورفيه وما لهذا المشهد من دلالات
  • »fantastic (WISAM)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    Fantastic. Best thing this morning on al Ghad
  • »القدر والمكتوب ..والقسمة والنصيب (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    عمر المختار، مليكة قايد، أمين ، جمال عبدالناصر أسرة عادية لأب يحمل اسم مجاهد دون أن يحمل حتى خنجرا ليدافع عن نفسه من الأعداء .وقد أثر اسمه على سيرة حياته وعلى مصير اولاده جميعا ..ولم يستسلم لحلمه السفر الى الدول الأوروبية ..فاسمه مجاهد جعل الجميع يخذلوه ، ولكنه لم يرم الراية .مجاهد رجل مؤمن بقوميته ، ولكنه يرغب السفر الى اوروبا ، والدليل على ذلك أنه اختار اسماءا وطنية ولها تاريخ حافل بالوطن العربي .وحتما حاول أن يبتعد عن الاسماء العربية الثورية مثل نضال ، كفاح ، ثائر الخ. لئلا بخلق مشكلة لأولاده كما حصل معه..وأولاده كلهم ولدوا في وطنه
  • »موسيم الهجرة إلى الشمال !!! (دانة الشيخ)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    أذكر كلمة للشاعر والكاتب المسرحي الفرنسي الكبير جان جانييه عندما قال للكاتب المسرحي العربي سعدالله ونوس يوما: لقد وقعتم في الفخ.. لقد جعلكم الغرب تنظرون الى انفسكم في مرآتهم!! وياترى ما ذا عساكم ترون انكم ترون سيماء ضعفكم وجهلكم .. نعم لقد وقعنا في الفخ يا حنان فخ البشرة البيضاء والعيون الملونة والشعر الاصفر ثقافة تفوّق الآخر التي نجحت المنظومة العربية في ترسيخها في عقولنا فعشنا اغترابا في بلداننا قبل ان نلهث طلبا للجوء أمام سفارات الخواجات ..
  • »لاح العلم الاسود (سائد المغازي)

    الثلاثاء 15 حزيران / يونيو 2010.
    أخت حنان مساء الخيرات
    كلامك اليوم بمنتهى الأهمية و الخطورة
    نحن فزعة للمظاهر فقط
    العرب نعم , كل افعالهم مجرد ردود افعال
    سلمت