سرّ القوة التركية

تم نشره في الجمعة 4 حزيران / يونيو 2010. 03:00 صباحاً

وحده التاريخ ربما يساعد على فهم كيف تصعد الدول وكيف تتراجع، لانه ببساطة يكشف بوضوح أسرار قوة الدول كما يكشف أسرار ضعفها.

تركيا الدولة "الظاهرة" تبرز في الالفية الثالثة كقوة إقليمية تحضر مع الذين يسمون، كبارا وأقوياء وتجالسهم، لكنها في ذات الوقت تحضر برؤية وتعريف لمصالحها، هذا التعريف ليس مرتبطا بمجيء قوة سياسية أو ذهابها، الامر الذي يجعله ملزما لأي حزب أن يعمل وفقه لانه ببساطة يحقق مصلحة تركيا.

منذ حوالي عقد من الزمن والحديث عن قوة تركيا الصاعدة يتزايد، حديث يركز في معظمه على بعد مرتبط بنجاح حزب العدالة والتنمية، ربط يحمل في طياته تحذيرا من جهة، ورسالة إلى أن هذا لن يدوم. لكن هل كان الحديث بهذا الشكل دقيقا؟ والسؤال الأهم هو ما هي العوامل الكامنة والتي جعلت دورا تركيا يتزايد بل وجعلها قوية؟ للإجابة عن هذا السؤال يجدر التذكير بالمعطيات التالية:

أولا، تمتاز تركيا شأنها في ذلك شأن إيران بأنها لم تستعمر بالشكل الذي استعمرت به المنطقة العربية، ومعنى أن لا تكون الدولة مستعمرة لدولة ما هو أنها تمتلك قدرة وفضاء أرحب في تعريف مصالحها وصياغة علاقاتها. هذا التعريف للمصالح قد يطاله التغيير لكنه يبقى في إطار ومضمون واحد هو المصلحة الوطنية. عندما قررت تركيا الاعتراف بقيام الدولة العبرية كان الدافع هو أن تكون في سياق العالم الذي سمّى نفسه متحضرا، فهي بذلك اختارت الطريقة الأسهل لطي المساحات الزمنية حتى يصار الى الاعتراف بها دولة اقليمية مهمة، وهذا ما حصل بالفعل، صحيح أنها لم تكن تتبنى الخطاب الذي يريده البعض من العرب ومن غيرهم، لكنها تصرفت كنظام سياسي.

في هذا السياق يجب التذكير ان تركيا القرن العشرين كانت تعيش مخاضا من نوع آخر، وهو متعلق بهوية الدولة القوية التي تصر على أن تكون حاضرة في المشهد السياسي، هذا المخاض حسم من خلال عملية ديمقراطية صعبة، لكن الأهم أنها بنيت على قدر كبير من الاعتماد على الذات، اعتماد نقلهم من نقطة التابع إلى نقطة المساهم والشريك، بل والمبادر الذي ينظر الكثيرون الى مساعدته.

ثانيا، تركيا ليست بلدا طارئا، سواء حكم فيها الإسلاميون أو غيرهم، هذا الأمر يسانده تاريخ طويل وبصمات يذكرها الأصدقاء والأعداء.

هذا التاريخ هو الآخر قوة كامنة يتحول الى قوى ايجابية دافعة حين يحسن التعامل معه، بعبارة اخرى حين لا يصبح مشتركا تتقدم به لتذكر الآخرين بأنها لم تكن هامشية، على الأقل خلال السبعة قرون الماضية، تقدمه للعرب وللدول العربية لتذكيرهم بأنها تريد أن تعمل مع الحكومات بغض النظر عن وجود تباين في وجهات النظر.

الأهم في هذا السياق ربما هو أن تركيا تركز على الجغرافيا السياسية التي تعمل فيها، تلك الجغرافيا التي لا يمكن لأي قوة على الارض ان تنكر اهميتها وتأثيرها. تركيا بذلك تذكر بالمنهج الصيني في شرق آسيا وبالدور البرازيلي في أميركا اللاتينية، نماذج تسعى أن تركز على محيطها أولا لتنطلق للعالم.

ثالثا، الدولة التركية في القرن الحادي والعشرين تقدم نفسها نموذجا متوازنا بين الواقعية السياسية والمثالية والدفاع عن المظلومين، هو توازن يبقي الباب مفتوحا مع الدولة العبرية، لكنه في ذات الوقت لا يمنع من انتقاد إسرائيل وتجميد العلاقات معها، ذلك سيهتف له الكثيرون في مدن تركية، لانهم ببساطة يشعرون بأن غرورهم تم التجاوز عليه، وهو خطأ لا يبدو ان تركيا القرن الحادي والعشرين مستعدة للتجاوز عنه.

تركيا اليوم تُثبت أن الجغرافيا السياسية والجبهة الداخلية والثروة والإمكانات البشرية، وكذلك التاريخ، أدوات يمكن الاستثمار فيها باستخدام قوة بين القوتين الناعمة والتقليدية.

mahjoob.zweiri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فاقد الشيء لايعطيه (سيف ال خطاب)

    الجمعة 4 حزيران / يونيو 2010.
    شكرا د.محجوب الزويري على مقالتك الرائعة والتي اوضحت الكثير من المفاهيم والقيم التي تجعل من اي بلد قادرا على تسيير دفة شؤونه والتحكم بمفاتيح سياساته حسب ما تتطلبه مصلحة البلاد العليا وما فيه مصلحة للشعوب التي هي اساس الزعامات والحكومات
    اما بالنسبة للنموذج التركي الذي طرحته هنا .. فان الدولة التركية ومنذ تاسيسها ببداية القرن العشرين على يد كمال اتاتورك خلفا للدولة العثمانية فانها بدات بثورة علمانية من اجل السير قدما لجعلها دولة عصرية متطورة تشابه الدول الاوروبية
    ولقد حاول اتاتورك جاهدا الانسلاخ من محيطه الاسلامي والانضمام الى الدول الاوروبية اعتقادا منه ان القيم والموروثات والعادات الاسلامية هي سبب تخلف تركيا وتاخرها عن اللحاق بركب التطور والتحضر
    وفي السنوات القليلة الماضية ادرك الشعب التركي والذي كان محكوما بالعقلية العسكرية ( حامية العلمانية ) ان انسلاخ الدول عن محيطها اكبر مما يتصور .. وان هموم الامة الاسلامية والعربية اكبر من هموم التحول الي بلد اوروبي متحظر
    وان دافع الدين والدم والهم المشترك لا يقارن بالتطور الذي تعيشه اوروبا والخالي من كل القيم
    ولهذا كانت الاحزاب الاسلامية هي التي تحرز اعلى الاصوات في الانتخابات الاخيرة .. وذلك لرغبة الشعب التركي بان يكون له دورا مؤثرا على الساحة الاقليمية في المنطقة
    ويبدو ان تركيا وجدت لها موطيء قدم في المنطقة وذلك لرغبة الشعوب العربية والاسلامية وتعطشها لوجود زعامة اسلامية كبرى تستطيع ان تقف في وجه الغطرسة الصهيونية والتوسع الايراني الشيعي لكي يحدث توازنا بعد ان غابت القوى العربية عن الساحة تماما بسبب التنافس على المصالح وعلى الكراسي
    فمرحبا بتركيا لاعبا اساسيا بالمنطقة بعد ان خلت الساحة من قوى تنادد - اسرائيل - وتقف في وجهها وتحاسبها على جرائمها التي اصبحت حدثا عاديا عندنا ولم تعد الحكومات العربية تابه بها .. اللهم ما عدا الشجب والاستنكار والتنديد