الملك عبدالله يهيئ سفينة "التعاون" للإبحار في جو متقلب

تم نشره في الخميس 3 حزيران / يونيو 2010. 02:00 صباحاً

بعد أن نجح الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في وساطته المهمة بين البحرين وقطر بشأن الاتفاق على مرشح البحرين للأمانة العامة لمجلس التعاون للدورة المقبلة، وعلى سائر الملفات العالقة بين البلدين الجارين الشقيقين، والعضوين بمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ هذه الملفات التي يبدو أنها بدأت في الانفراج، واحدةً بعد الأخرى.

في اليوم التالي، استقبل الملك عبدالله السلطان قابوس بن سعيد في جدة. وتمثل سلطنة عمان الركن الثاني مع السعودية في معمار مجلس التعاون. ويشبه توافقهما بشأنه التوافق الألماني– الفرنسي على إقامة الاتحاد الأوربي. وكلما اجتمع ملك سعودي مع سلطان عماني تذكر المراقبون اجتماعات ديغول- أديناور. وكان الملك عبدالله قد زار مسقط بدعوة من السلطان قابوس عام 2006م، وذلك بعد توليه الحكم في أغسطس (آب) 2005م.

وقد بدأت المباشرة السعودية العملية بالشأن الخليجي بدعوة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين للملك عبدالله بن عبدالعزيز لزيارة البحرين التي تمثل مركز الخليج العربي وقلبه النابض.

وكما أورد كاتب هذه السطور في مقالة سابقة ".. إذا كان الملك عبدالله قد جاء إلى البحرين ليطل من خلالها وعن طريقها ، على منطقة الخليج العربي بأسرها، عاملاً في سبيل مجلس التعاون الذي تمثل البحرين قلبه ونبضه، فإنه قد أكمل ما دعا إليه في قمة الكويت الاقتصادية.. (أعني) دعوته إلى إحياء التضامن الخليجي العربي وتعزيزه بما تتطلبه حركة العصر وضغوط الزمن والتحديات الماثلة، وهي ليست بالقليلة".

هذا وقد مرت على قيام "مجلس التعاون" 29 عاماً. وسيعقد قمته المقبلة في كانون الأول (ديسمبر) بأبوظبي التي أُعلن عن قيامه فيها في ذلك التاريخ.

وكان ملك البحرين يعبر عن التطلعات الخليجية المشتركة عندما أكد في اتصاله برئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ، الشيخ خليفة بن زايد، على دور دولة الإمارات العربية المتحدة في الإعداد الجيد للقمة الخليجية المقبلة والتي ستعقد بالدولة في كانون الأول (ديسمبر) 2010م، وذلك بعد أن أثنى على دور دولة الكويت في متابعة شؤون الدورة الحالية متحدثاً إلى أميرها الشيخ صباح الأحمد.

وكان العاهل البحريني يجري هذه الاتصالات الخليجية بعد نجاح وساطة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وموافقة دولة قطر على حل الملفات العالقة بينها وبين جارتها مملكة البحرين، التي اعتبرها المتابعون، ومن بينهم الأمين العام القطري الحالي عبدالرحمن العطية الذي تم التمديد له في وقت سابق بمبادرة من ملك البحرين، "انتصاراً جديداً لمسيرة العمل الخليجي المشترك" نتيجة كما قال "للنجاح الباهر الذي حققته المبادرة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز التي أسفرت عن صيغة توافق قطري – بحريني على المرشح البحريني الجديد لمنصب الأمين العام..".

والمرشح البحريني الجديد لمنصب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي هو الدكتور عبداللطيف الزياني الذي يُجمع من يعرفونه على كفاءته ونزاهته وإخلاصه. وقد عرفته أكاديمياً وعسكرياً في الوقت ذاته. فهو يجمع بين الصفتين، ووجدت أنه يمكن الاعتماد عليه في المهام الصعبة. وأعتقد أن هذه المزايا مجتمعة كانت ضمن تقديرات ملك البحرين عندما رشحه لتولي هذا المنصب وكذلك موضع تفهم أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي شارك في إنجاح الوساطة السعودية.

وفي تقديري، لو كانت الظروف طبيعية وعادية بمنطقة الخليج، لما شعر الناس ببطء مسيرة مجلس التعاون، فمشروعات تاريخية كمشروع المجلس تحتاج إلى وقت كافٍ لإنضاجها.

لكننا في منطقة حساسة شهدت عدة حروب طاحنة في حياةٍ واحدة. كما أن التغيرات السياسية الجذرية مست اثنتين من أبرز دولها وهي إيران والعراق. لذلك فالناس، بالنسبة لمسيرة المجلس ومنجزاته، يريدون منه أن يكون في مستوى التحدي الماثل، حيث لا يمكن التكهن بمآل الأمور في موضوع الملف النووي الإيراني ودخول كل من تركيا والبرازيل على الخط، والتوتر الروسي– الإيراني فضلاً عن المواقف الانتقادية لسياسة إيران النووية من عواصم الاتحاد الأوروبي.

وتطرح أزمة "اليورو" تساؤلات جديدة عن مسألة التوحيد النقدي الذي يفترض أن تُقدم عليه أربع من دول المجلس ، بعد انسحاب سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة .

وبعد الزيارة التي قام بها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الأركان بدولة الإمارات العربية المتحدة، وولي عهد أبوظبي إلى المملكة العربية السـعودية، مركز البنك الخليجي الموحد، فإن العارفين بمجرى العلاقات في دهاليز مجلس التعاون، يرون أن العلاقات بين الرياض وأبوظبي في طريقها إلى أن تعود لطبيعتها وأن اجتماع القمة الخليجية المقبل في أبوظبي سيعكس هذا التحسن في العلاقات. وذلك أمر لابد منه في ضوء ما يواجه مجلس التعاون من تحديات.

فالأرصاد السياسية تشير إلى إنه، إن لم يكن جو الخليج "عاصفاً" فهو غير "مستقر"، وأقرب إلى "التقلب". وهو ما يخالج قادة المجلس جميعاً.

وثمة شبه إجماع بين المحللين السياسيين على أن إيران لن تُضرب، وأنها مسألة قد صُرف النظر عنها وإن تم تحريك بعض القطع الحربية على مقربة من إيران، كالغواصات الإسرائيلية الصغيرة مثلاً، فذلك من باب الحرب النفسية والنشاط الاستخباري.

ويأمل قادة المجلس ألا يقع ذلك، وهم لا يريدون تطوراً درامياً من هذا القبيل. ويشاركهم في ذلك الرأي العام الخليجي والعربي. لكن ثمـة ملفات "عالقة" بانتظار الحل. ونرى أن يجلس الطرفان (العربي والإيراني) لبحث هذه الأمور. فحوار الطرفين مع القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة متواصل. وثمة ريبة لدى الطرف العربي بأن تتم "صفقة" بين الجانبين الأميركي والإيراني (مباحثاتها جارية على كل حال) على حساب الطرف الخليجي والعربي. إلا أن ذلك صار مستبعداً من مؤشرات راهنة عدة.

ويلاحظ المراقبون أن إيران أقدمت على اتفاق مع جارتها باكستان لتصدير الغاز إليها، وربما إلى الهند، باسـتثمار هائل لا يعقل أن تقدم عليه دولة تنتظر حرباً! والفرص التنموية مفتوحة أمام إيران. ودول الخليج على استعداد لمد يد العون والمشاركة في رخاء البحيرة الخليجية، إذا حُلت الملفات "العالقة".

نعتقد أن بناء الثقة بين الجانبين ضروري وحيوي، وهذا ما تسعى إليه رؤية الملك عبدالله وأشقائه من قادة دول المجلس.

* مفكر عربي من البحرين

التعليق