سياسات جيدة لدول عظمى

تم نشره في السبت 22 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

 

إننا نمر الآن بفترة مطولة من الانتقال الدولي، وهي الفترة التي بدأت قبل عقدين من الزمان مع نهاية الحرب الباردة. لقد ولت تلك الحقبة من المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لكي تفسح الطريق أمام عصر باتت فيه الولايات المتحدة تمتلك قوة أعظم كثيراً من أي دولة أخرى وتتمتع بدرجة غير مسبوقة من النفوذ.

وكانت لحظة القطب الأوحد التي عاشتها الولايات المتحدة بمثابة التمهيد لعالم نستطيع أن نصفه بأنه عالم بلا أقطاب، حيث تتوزع القوة على نطاق واسع على ما يقرب من مائتي دولة وعشرات الآلاف من الجهات الفاعلة غير التابعة لدولة والتي تتراوح من تنظيم القاعدة إلى قناة الجزيرة ومن جولدمان ساكس إلى الأمم المتحدة.

ولكن ما يميز عصراً تاريخياً عن غيره من العصور لا يكمن في توزيع القوة بقدر ما يكمن في درجة رسوخ النظام بين الدول وداخل كل دولة. والنظام لا ينشأ من فراغ؛ بل إنه يأتي كنتيجة لجهود واعية من جانب أكثر الكيانات قوة ونفوذاً على مستوى العالم.

ورغم أن الولايات المتحدة تظل الدولة الأعظم قوة في العالم، فإنها غير قادرة بمفردها على صيانة السلام الدولي والرخاء، ناهيك عن نشرهما. فقد أفرطت الولايات المتحدة في بسط قوتها، وهي تعتمد اعتماداً شديداً على الواردات اليومية الهائلة من الدولارات والنفط، هذا فضلاً عن انخراط قواتها المسلحة في صراعات مرهقة في أفغانستان والعراق. والولايات المتحدة تفتقر إلى الإجماع السياسي والسبل اللازمة للاضطلاع بالمزيد من المسؤوليات العالمية. وهي تفتقر أيضاً إلى الوسائل اللازمة لإرغام الآخرين على اتباع خطاها.

فضلاً عن ذلك فإن إدارة المشاكل المعاصرة ـ على سبيل المثال، إحباط انتشار أسلحة الدمار الشامل والمواد المستخدمة في تصنيعها، وصيانة الاقتصاد العالمي المفتوح، وإبطاء تغير المناخ، ومكافحة الإرهاب ـ ناهيك عن حلها، ليست بالمهمة التي قد تتمكن أي دولة بمفردها من الاضطلاع بها. والجهود الجماعية وحدها القادرة على مواجهة التحديات المشتركة: وكلما كانت الاستجابة عالمية تعاظمت فرص نجاحها.

والأمر باختصار أن الولايات المتحدة تحتاج إلى شركاء حتى يصبح في الإمكان تحويل القرن الحادي والعشرين إلى عصر تتمتع فيه الغالبية العظمى من الناس في مختلف أنحاء العالم بالسلام النسبي ومستويات المعيشة المرضية. ولكن الشراكات التي سادت في أيام الحرب الباردة ـ بين الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، والعديد من بلدان آسيا، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية، وأستراليا ـ لم تعد كافية. ذلك أن هذه البلدان تفتقر إلى الموارد وفي كثير من الأحيان الإرادة اللازمة للتعامل مع أغلب مشاكل العالم.

لقد أصبح الشركاء القدامى الآن في حاجة إلى شركاء جدد. والقوى الناشئة قادرة على سد هذه الحاجة. والسؤال الآن هو ما الذي تعتزم الصين والهند والبرازيل وغيرها من القوى الناشئة أن تفعله بقوتها المتنامية.

إن ما يجعل من أي بلد دولة عظيمة ليس مساحة أراضيه، ولا تعداد سكانه، ولا جيشه، ولا اقتصاده، بل الكيفية التي يستخدم بها قوته في صياغة العالم خارج حدوده. والواقع أن البلدان القوية ولكنها ما تزال نامية تميل إلى النظر إلى السياسة الخارجية باعتبارها أقل أهمية من السياسة الداخلية وبوصفها وسيلة للوصول إلى الأسواق والموارد الضرورية لتحقيق التنمية السريعة.

وقد تكون وجهة النظر هذه مفهومة، ولكنها قصيرة النظر. فالقوى الصاعدة لا تستطيع عزل نفسها عما يحدث خارج حدودها. وسواء أقرت تلك البلدان أو لم تقر فإنها ذات مصلحة في النظام العالمي.

ولنتأمل هنا حالة الصين، وهي بمقاييس عديدة الدولة الناشئة الأكثر أهمية. إن الصين تريد صيانة قدرتها على الوصول إلى موارد الطاقة الإيرانية، ولكن في حالة نشوء صراع نتيجة لطموحات إيران النووية، فسوف تتكبد الصين ثمناً أعظم كثيراً للوصول إلى تلك الموارد. ولابد وأن تشكل المخاطر التي تتهدد استقرار الشرق الأوسط الكبير وتدفق النفط الحافز الذي يدفع الصين إلى تأييد فرض عقوبات قوية ضد إيران. ولكن من غير الواضح ما إذا كان قادة الصين سوف يدركون هذه الحقيقة ويعملون لصالح بلدهم على الأمد البعيد.

وليس المقصود هنا تحميل الصين كل المسؤولية. فالتساؤلات نفسها تنطبق على الهند والبرازيل. وليس الأمر أن البلدان النامية والناشئة فقط هي التي يتعين عليها أن تعيد النظر في توجهاتها في التعامل مع العالم، بل يتعين على الولايات المتحدة أيضاً أن تفعل نفس الشيء. ورغم كل ما قيل وكتب عن حرص الولايات المتحدة على دعوة الصين دوماً إلى العمل كدولة ذات مصلحة عالمية، فإن الصين لن توقع ببساطة على صك يجعل منها دعامة لعالم تسوده أميركا. فهي تريد أن تساعد في وضع القواعد وبناء المؤسسات اللازمة لفرض هذه القواعد.

والأمر متروك للولايات المتحدة للتعاون مع الصين وغيرها من بلدان العالم في القيام بهذه المهمة، والأمر يتطلب انفتاح أميركا على رغبات الآخرين واستعدادهم للاضطلاع بدور أكبر. والواقع أن تمكين مجموعة العشرين يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن هناك العديد من التغييرات الأخرى المطلوبة، بما في ذلك إعادة هيكلة الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، حتى يتسنى لهذه المؤسسات العالمية أن تعكس التوزيع الجديد للقوى. وفي المقابل، لابد من وضع ترتيبات جديدة لدعوة الدول الناشئة للمشاركة بالمزيد في معالجة قضية المناخ، وتحمل تكاليف عمليات حفظ السلام وبناء الدولة، وتشجيع التجارة الحرة، ومعاقبة هؤلاء الذين يدعمون الإرهاب أو ينتجون أسلحة الدمار الشامل.

إن الدول الكبرى في هذه الحقبة التي نعيشها من الزمن، سواء كانت متقدمة أو ناشئة، لديها القدرة على التوصل إلى اتفاق حول القضايا التي تحدد هيئة العالم اليوم. ولا شك أن استعداد هذه الدول لتحقيق هذه الغاية سوف يحدد متى وكيف تنتهي هذه الفترة من الانتقال العالمي، وما الذي ينبغي لنا أن ننتظره خلفاً لها.

* المدير السابق للتخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية، والرئيس الحالي لمجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب "حرب الضرورة، وحرب الاختيار: مذكرات من حربين عراقيتين".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق

مع بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

التعليق