أردوغان في اليونان

تم نشره في الأحد 16 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

ثمة تغيرات كبيرة في الدبلوماسية التركية بعد تولي أحمد داود أوغلو لوزارة الخارجية، والتي تجعل تركيا محورا ووسيطا في كثير من النزاعات المجاورة. فقد أصبح لا يمّر شهر من دون حدث أو توسط تركي هنا وهناك.

استضافت تركيا في الشهر الماضي رئيسي صربيا والبوسنة و أنجزت اختراقا في التوسط بين البلدين المتجاورين اللذين لم يستطيعا وحدهما حل مشاكلهما. كما استضافت تركيا في الاسبوع الماضي الرئيس السوري بشار الأسد وجرى حديث عن استعداد تركيا لاستئناف التوسط بين سورية واسرائيل لاستئناف المفاوضات بينهما.

في هذا الاسبوع كان الحدث الكبير يتمثل في زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على رأس وفد كبير الى اليونان الجارة والعدوة اللدودة من الماضي. ولاشك أن زيارة أردوغان الى اليونان مهمة في هذه اللحظة لثلاثة أسباب متداخلة بين الماضي والحاضر وبين العلاقات الثنائية والوساطة مع الغير.

ففي المستوى الاول تستكمل تركيا "المصالحات التاريخية " التي كانت قد بدأتها مع أرمينيا واستكملتها مع صربيا، التي تحولت العلاقات معها بسرعة من العداء التاريخي الى "التعاون الاستراتيجي".

ومن المعرف لدينا في البلقان أن المحور الصربي اليوناني كان على الدوام هو "خزان " العداء ضد الاتراك وهو الذي استفاد أكثر من الحرب البلقانية 1912-1913 التي أنهت الحكم العثماني في أوروبا وتركت آثارا عميقة على العلاقات بين هذه الدول. فبعد أن نجحت تركيا في التقارب مع صربيا خلال عهد الرئيس بوريس تاديتش 2008-2010 والتحول بالعلاقات من العداء التاريخي الى "التعاون الاستراتيجي "، يمكن لتركيا أيضا أن تنجح في هذا المجال وأن تستكمل الحلقة الاخيرة التي بقيت لها في البلقان من تركة الدولة العثمانية.

وعلى المستوى الثاني تأتي زيارة أردوغان الى اليونان في لحظة صعبة جدا بسبب الازمة الاقتصاية التي عصفت بالبلاد وكادت أن تصل بها الى الاسوأ.

وكما كان المدخل الى العلاقات الجديدة مع صربيا هو المصالح الجديدة ( الاستثمار التركي في صربيا والسعي المشترك للانضمام الى الاتحاد الاوروبي)، فالمدخل الان يكمن في حاجة اليونان الى المساعدات الخارجية للخروج من أزمتها الخانقة التي أصبحت تهدد دول الجوار ايضا والى استعداد تركيا للاستثمار في اليونان كما استثمرت في صربيا في المناطق الأقل نموا التي يعيش فيها المسلمون (السنجق)، حيث يمكن لتركيا أن تستثمر أيضا في تراقيا الشرقية حيث تعيش هناك الاقلية التركية التي كانت مثار خلاف بين الدولتين طيلة القرن العشرين. ولكن تركيا تتطلع ايضا الى دعم اليونان لها في سعيها الى الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، حيث إن للموقف اليوناني أهميته بسبب تراكمات الماضي.

على المستوى الثالث، فيمكن لتركيا الآن بعد تحسن علاقاتها مع اليونان أن تقوم باختراق دبلوماسي آخر بين اليونان و "جمهورية مكدونيا ".

ففي "جمهورية مكدونيا " أقلية تركية وجماعة مسلمة كبيرة (حوالي 35 % من السكان)، واستثمارات تركية متنامية هناك تجعل لتركيا مكانة متزايدة في هذه الجمهورية التي استقلت عن يوغسلافيا السابقة في 1991. الا أن اليونان كانت قد اعترضت آنذاك على اسم الدولة المستقلة الجديدة (جمهورية مكدونيا)على اعتبار أن هذا الاسم من التراث القومي اليوناني، وعرقلت قبولها في الامم المتحدة. ولذلك كان البديل أن تقبل هذه الدولة باسم مؤقت هو "فيروم " (اختصار "جمهورية مكدونيا اليوغسلافية السابقة ")، الى أن تجد حلا لذلك مع اليونان. الا أنه بعد مرور ثلاثين سنة فشلت كل المفاوضات والوساطات بين الطرفين، وأصبحت "جمهورية مكدونيا " الان في أزمة اقتصادية واجتماعية، لان ذلك يؤخر انضمامها الى حلف الاطلسي والاتحاد الاوروبي . ولأجل ذلك يمكن لتركيا الآن أن تنجح وأن تحقق اختراقا آخر في هذا المجال أيضا.

mm.arnant@alghad.jo

التعليق