أمن المواطن ما يزال من وظائف الدولة الرئيسية!

تم نشره في الأربعاء 12 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

تعبر العولمة، في جزء منها، عن تطور أنماط العلاقات الاقتصادية-الاجتماعية في العالم، وانفتاحها، وتحولها، في بعدها السياسي، إلى تعبير عن علاقات أفقية بين الحاكم والمحكوم، عوضاً عن العلاقات السلطوية الهرمية، وهو الأمر الذي أفرزه تبني قيم السوق المفتوحة في معظم دول العالم، وتطور الاتصالات، ووسائل المواصلات، وحرية انتقال الخدمات، والسلع، والبشر أيضاً.

ورغم أن الأزمة الاقتصادية المالية العالمية العام الماضي، وأزمة اليونان القائمة حالياً، دفعت إلى التشكيك بحلم "نهاية التاريخ"، وانتصار الرأسمالية، وبات البعض يتحدث عن بدائل اقتصادية إيديولوجية سواء أكانت اشتراكية أم غيرها.ولكن لعل من أهم تداعيات العولمة، على المستوى السياسي، هو تراجع الدولة، وعلى الرغم من أن البعض بات يتحدث عن "عودة الدولة"، إما مساراً أو تطوراً تفرضه الظروف، وإما كرؤية إيديولوجية بديلة، كما هو الحال في الشأن الاقتصادي وطرح البدائل للنظام الرأسمالي. وسبب تراجع الدولة هذا يعود إلى أن العولمة بأنماطها الجديدة، قلصت عدداً من وظائف الدولة، إما بمنطق اقتسام الخصائص، كدور رجال الإعمال، أو دور المنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة، أو الصحة العامة، أو العمل الخيري، وغيرها، وإما بمنطق الرقابة على الأداء الحكومي كحالة منظمات حقوق الإنسان، أو الأحزاب، أو المدافعين عن الحريات العامة...الخ.

لكن إلى الآن لم تتخل الدولة، ولم تفقد دورها الأمني، فما يزال الأمن، والدفاع أيضا بدرجة أقل، بحكم المظلات الأمنية، والقواعد العسكرية، وتجارة الأسلحة، من صميم وظائف الدولة. ويذكر أن "خصخصة الأمن"، كان مطروحاً في الولايات المتحدة الأميركية، قبل الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، ودفعت الهجمات إلى مراجعة الخطط ليجدوا ثغرات أمنية في مسألة خصخصة أمن المطارات، ما دفع إلى زيادة سيطرة الدولة عليها واستبعاد مثل هذا الطرح.

وعلى ذلك فإن الأمن ما يزال على رأس وظائف الدولة، وبالتالي فإن هذا يستدعي، وخاصة عند الحديث عن الدولة العربية، مسألة بناء الوعي في هذا الدور لدى المواطنين، الذين ما انفكوا تاريخيا، ومن جراء ممارسات الأجهزة الأمنية بفروعها كافة، تنظر لها بعين الريبة والخوف والشك، ولم تستطع تلك الأجهزة بناء أواصر الثقة بينها وبين المواطنين الذين يفترض أن تقوم بحمايتهم، وبالتالي فإن ذلك افترض حالة من الشك قابلة لتتحول إلى عداء عند أول مشاحنة أو مواجهة.

لعل في الموروث الشعبي، صورا مختلفة لرجل الأمن تناقلتها الأجيال في معظمها سلبي، ولكن السؤال الأهم يكمن في ماذا فعلت الأجهزة الأمنية، بكافة فروعها، مرة أخرى هنا، لتعزيز ثقة المواطن بها ولردم الفجوة بينهما؟

أضرب مثلاً من العاصمة البريطانية لندن، ويرتبط بالشرطة كجهاز أمني، حيث عمدت شرطة "المتروبوليتان" المشهورة، وفي إعلانات لا تخطئها العين في وسائل المواصلات، داعيةً المواطنين للتطوع بقدر قدرتهم ووقت فراغهم لدى الشرطة وممارسة دور الشرطي في مهامه اليومية، وهو ما يخلق حالة من التواصل مع الشرطة الجهاز الأمني، وهو أيضاً ما يتجلى بالجلسات التي تعقدها الشرطة مع الأهالي في المجالس البلدية المختلفة، والنشرات الدورية التي توزع على منازل الحي التابع لمخفر الشرطة تتحدث عن آخر الأرقام ونسب الجريمة في المنطقة إضافة إلى نصائح أمنية مختلفة، وذلك بأسلوب شفاف وجلي. يجب التأكيد أني لم أسمع أبا أو اما يهددان طفلاً برجل شرطة قط.

وبالتالي، لعل الشفافية تعد عنواناً رئيسياً لمثل هذه التحركات، ولكن الأهم أن الأجهزة الأمنية عموماً مطالبة بتعزيز تواصلها مع المجتمع المحلي، والمواطنين، وإشعارها للمواطنين بأنها تعمل لأجلهم لا عليهم، وهذا لا يتأتى إلا عبر ممارسات تؤكد على مثل هذا الشعور لا مجرد شعارات، وهو ما سيعزز بالتالي من أداء الدولة لوظيفتها الأمنية، بردم الهوة بين المواطن وأجهزة الأمن، من خلال إشعار المواطن بمعنى الكلمة "الأمن".

shishani.murad@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خطوه جريئه (بسام)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    اخي الكاتب حقا انك اثلجت قلبي بطرح هذه الافكار ولم لا نبدا في الملفات المكدسه في محاكم الشرطه رعاكم الله ينتهي الدوام الساعه الوحده ضهرا في بعض المركز الامنيه
  • »... (هيثم الشيشاني)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    هناك جدلية في طبيعة العلاقة مع رجل/رجال الأمن لدينا.
    الانخراط في أداء الواجبات و الاضطلاع بالمسؤوليات الأمنية ليست حكرا ً على أحد/فئة بل وااااجب على الجميع.
  • »كرامة رجال الامن من كرامة المواطن و الوطن. (مواطن)

    الأربعاء 12 أيار / مايو 2010.
    رائع يا استاذ مرادبكل فخر وفي تحليلك الموضوعي البناء بخصوص الثقة المتبادلة بين المواطن الاجهزة الامنية ، ويجب ان لا ننسى ان كرامة رجال الامن من كرامة المواطن ، و اي اعتداء على رجال الأمن هو اعتداء على المواطن و الوطن.