إبراهيم غرايبة

عن المكان بمناسبة مؤتمر الجامعة الأردنية

تم نشره في الأربعاء 5 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

"فما بكت عليهم السماء والأرض"

ينعقد في رحاب الجامعة الأردنية وعلى مدى ثلاثة أيام المؤتمر الثقافي الوطني السادس، وموضوعه هذا العام عن المكان في الثقافة الوطنية، فالثقافة تمنح للمكان معاني ومفاهيم، حتى تكاد الأوطان والأمكنة تكون كلمات وقصصا وذكريات، .. ونسيانا أيضا، كأن الأمكنة هي ما نراها ونتخيلها وننساها ونتذكرها، وبالطبع فإن المكان هو مصدر ومحرك التقدم والتنمية، والأعمال والمهن والموارد، والمدن والعمارة والطعام واللباس، .. والتقدم والتنمية.

كيف ينشئ أبناء كل مدينة وبلدة حياتهم الثقافية المستمدة من حياتهم ومكانهم، كيف يجعلون لمكانهم طابعا خاصا من العمارة واللباس والموسيقى والفنون والطعام؟ كيف يمنحون للمكان ما تعلموه منه، فالمكان يعلم الناس المقيمين فيه أسلوب حياتهم، وهم أيضا يمنحون للمكان ما تعلموه، فيبدعون أساليب في العمارة والفنون وأساليب الحياة وأنماطها تجعله مكانا مميزا خاصا يكتسب هويته، ويكتسبون هم أيضا الهوية نفسها التي منحوها للمكان والتي منحها المكان لهم.

وهكذا يتشكل التاريخ الاجتماعي والثقافي ويتحول إلى مصدر يزيد الموارد ويفعلها ويحافظ عليها، ويحمينا دولا ومجتمعات وشركات من أن نتحول إلى سوق يقام ويختفي في لحظات، ذلك أن الموارد التي لا تتحول إلى منظومة اجتماعية وثقافية تضيع وتتحول هباء منثورا.

ويفترض كما في التاريخ والجغرافيا أن تنشأ حول المصالح والمشاريع الاقتصادية مجتمعات قائمة عليها، بحيث تكون مساكن العاملين في هذه المصالح والمشاريع قريبة منها أو في منطقتها، أو تكون المساكن جزءا من المشروع التجاري والاستثماري نفسه وبخاصة في المناطق الصناعية والتجارية في أطراف المدينة، وهذه تنشئ منظومة من العلاقات المهنية والتجارية والاجتماعية، وشبكة من المصالح والبرامج المصاحبة للنشاط الاقتصادي نفسه، من المدارس والأسواق والأندية والخدمات والجمعيات المهنية والاجتماعية والتعاونية، وتكون القيمة الاقتصادية والاجتماعية في غالب الأحيان لهذه الشبكة المحيطة والمصاحبة للمشاريع أكبر بكثير من المشاريع بحد ذاتها، فالمجتمعات والثقافات وأنماط الحياة والسلوك الاجتماعي تنشأ حول المشاريع والأنظمة الاقتصادية، وهذا هو ما ينشئ التقدم الاقتصادي والاجتماعي، ويراكم الإنجازات والتجارب ويطور المشاريع والمصالح، .. وهكذا يكون المكان جوهر حياة الناس ومصالحهم وانتمائهم ومشاركتهم.

وهذا الانفصال الذي نراه بين المشاريع والمخططات الاقتصادية والتقنية والفنية وبين حياة الناس اليومية ومنظومتهم الاجتماعية والثقافية يضر بالمخططات الاقتصادية والتنموية نفسها وقد يودي بها، ولكن التفكير الشامل بها، ليمتد إلى الجوانب الاجتماعية والثقافية والحياتية والجمالية، يضاعف نتائجها الاقتصادية والمعيشية.

التعليق