مبايعات أم انتخابات رئاسية؟

تم نشره في الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

دلّ فوزُ الرئيس عمر البشير، الأسبوعَ الماضي، في انتخاباتِ الرئاسةِ في السودان، على البديهيّة المؤكدة في النظام الجمهوري العربي، وموجزُها أنّ الرئيس المقيم في السلطة لا يُخفق أبداً في موقعةٍ انتخابيةٍ يُنافسه فيها مرشحون من رعاياه.

ومنذ دشّن في موريتانيا معاوية ولد الطايع "بِدعة" الانتخابات الرئاسية التعدديّة في البلاد العربية في 1992، لم يَحدُث أنّ أياً من أصحاب الفخامة العرب خَرَمَ تلك المسلّمَة، في انتخاباتٍ بدت طقوساً اقتراعيّة ومبايعاتٍ دوريّة، لم تحْتج إلى تزوير، تبعاً للحقيقة التي يقدِرُ على تفسيرِها العارفون في علم الاجتماع السياسي، وهي أنّ الشعوب العربية تُؤثر التصويتَ في هذه المواسم الانتخابية لرؤساء بلادها، وليس لمن يتوهّمون أنّ صناديق الاقتراع ربما توصِل أحدَهم إلى القصر الرئاسي.

والمعلوم أنّ الجمهور العربي ملّ الاستفتاءات منذ أجرى أولاها جمال عبد الناصر في 1955، فصارت القناعةُ بأنّه لا ضَررَ من التباري في الجمهوريات العربية في وقائع اقتراعيّة تتجدّد دورياً، تُشرعِن احتفاظَ الرئيس بموقعه.

وبذلك، كان فوز ولد الطايع مؤزراً على "منافسيه" في حادثتين انتخابيتين تعدديتين، في 1997 و2003، بعد سابقتيْهِما المبتكرة عربياً، وربما كانت ستتجدّد له سانحةٌ رابعة، لو لم ينجح انقلابٌ عسكريٌ عليه، وهو الذي جاءته السلطةُ في انقلابٍ سابق.

سبق الفوزَ الجديد للبشير فوزُ الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في تشرين الأول الماضي، لمّا خاض معه "السباق" ثلاثةٌ من مواطنيه، وكان تعديلٌ دستوري قد أتاح له ولاياتٍ جديدة، وخيضت انتخاباتٌ مماثلةٌ في 1994 و1999 و2004.

وفي الجزائر، جرى التعديل الذي أباح للرئيس عبد العزيز بوتفليقة موسماً انتخابياً ثالثاً، هزم فيه العام الماضي من ترشح قُدامه. وفي الأخبار أنّ رئيس جيبوتي عمر جيلة سيُحدِثُ تعديلاً دستوريّاً مماثلاً ليتجدّد انتخابُه.

وكان الرئيس علي عبد الله صالح قد أشاعَ قبل فوزه في أحدثِ انتخابات رئاسيّة في اليمن في 2006 أنّه لن يخوضَها، ليقودَ السفينةَ غيرُه، بتعبيره، ثم مَكثَ قائداً للسفينة نفسها.

وما تزال غيرَ منسيّةٍ مُزحةُ الراحل ياسر عرفات، حين أرادَ في انتخاباتٍ تعدديّةٍ في 1996 أن يختارَه الفلسطينيون أو غيرَه لرئاستهم، فنافستْه فيها المرحومة سميحة خليل.

وبارزت ثلاث شخصياتٍ الرئيس محمود عباس في انتخاباتِ ما بعد عرفات، ولم يكن ممكناً انتصارُ أحدهم، من دون حاجةٍ إلى تزوير.

ولم يكن مفاجئاً أن يهزمَ الرئيس حسني مبارك تسعةَ مرشحين في 2005، كان ذا دلالة أنّ أحَدَهم جهرَ بأنّه كتب في ورقة التصويت اسم مبارك لأنه الأصلح.

إنها السلطةُ في البلاد العربية، في غيابِ أسسٍ حقيقيّةٍ للممارسةِ الديمقراطيةِ الطبيعية، تُسلس قيادَها للأقوى، ولصاحبِ النفوذ الأهم، وليس في الجمهوريات العربية غيرُ الرئيس من يحوز ذلك، لا سيما أنّ مجتمعاتِها (ومجتمعاتِ غيرِها طبعاً) غيرُ مدربّةٍ جيداً على التمارينِ الديمقراطيةِ الجوهرية، فلا ترى فيمن ينافسون الرئيس أهليةً وكفاءةً تجعلان أياً منهم الأصلح، لأسبابٍ يطولُ شرحُها.

وكان استثناءٌ عربيٌ قد لاحَ في تمرينٍ موريتاني بدا محموداً، حين لم يترشح أيٌّ من الانقلابيين على ولد الطايع في الانتخابات الرئاسية التي تنافسَ فيها 19 مرشحاً، وتساجلَ المتقدمان في جولتها الأولى في مناظرةٍ تلفزيونية، غيرِ مسبوقةٍ عربياً.

ثم فاز التكنوقراطي سيدي ولد الشيخ عبد الله، وصار رئيساً لعامٍ وشهور، قبل أن تعودَ موريتانيا إلى المألوفِ العربي، بعد انقلابٍ ترشّح زعيمُه لاحقاً في انتخاباتٍ رئاسيةٍ نافَسَه فيه ثمانية. غَلَبهم، أو بويعَ فيها على الأصح، وأكّد البديهية العربيّة إياها، والتي كان جديدُها بقاءَ الرئيس عمر البشير رئيساً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بدون تعليق (اردني غيور)

    الثلاثاء 4 أيار / مايو 2010.
    مقال ممتاز...
    هذا النوع من المقالات التي نريد...
    جزاك اللة خير