بعد 60 عاماً: وكالة الغوث في الميزان

تم نشره في الأحد 2 أيار / مايو 2010. 03:00 صباحاً

 

كنت قد كتبت في مقالة سابقة إن "كرت المؤن" قد حفظ الحق الفلسطيني في فلسطينيته، فعلق قارئ أحترم رأيه حتماً، بأنه لولا إعانات وكالة الغوث لزحف الفلسطينيون على بطونهم وحرّروا فلسطين بدافع الجوع في العام 1948! ولن أناقش منطق هذه الأطروحة لأنها تفكك نفسها بنفسها. لكنني أذكِّر بأن الفلسطينيين استفاقوا من الضربة القوية بعد بضع سنوات، ربما –جزئياً- بفضل إعانات وكالة الغوث ومدارسها، وبدأوا مشوار نضالهم الطويل المستمر حتى اليوم. ولست في معرض الدفاع عن وكالة الغوث في هذا المقام، لكنني أود الإشارة إلى بعض المسائل ذات الصلة.

وفق دراسة مهمة كانت "الغد" قد نشرت ترجمتها للباحث الفلسطيني الدكتور سلمان أبو ستة، فإن الهدف الحقيقي من وراء إنشاء وكالة الغوث كان تصفية القضية الفلسطينية، وتوطين اللاجئين في البلاد التي جرى ترحيلهم إليها، وبحيث ينتهي الأمر. لكن السحر انقلب على الساحر، كما اتضح فعلاً. فبدل أن تساعد الوكالة، تحت يافطة الغوث الإنساني، في تذويب الكتلة البشرية الفلسطينية ودمجها في الشتات، أصبح "كرت المؤن" هو الوثيقة الوحيدة التي وثقت فلسطينية الفلسطينيين. وحسب الدكتور أبو ستة، فإن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونوروا) التابعة للأمم المتحدة، هي الجهة الرسمية الوحيدة التي تحتفظ بسجلات تضم أسماء وأنساب اللاجئين الفلسطينيين وأبنائهم وأحفادهم كافة، وبلداتهم وقراهم الأصلية في فلسطين التاريخية، والأماكن التي استقروا فيها بعد التهجير. وأود لو يقترح عليّ أحد أي مكان آخر مفرد يحتفظ بمثل هذه الوثائق التي تحفظ حق الفلسطينيين ونسَبهم غير بطاقة إعاشة الوكالة.

هذا الدور الذي قامت به وكالة الغوث، عن وعي أو بدفع من المتغيرات الموضوعية، يكفي وحده ليرجح كفة حسناتها. لكنه لم يكن الدور الوحيد؛ فقد خرّجت مدارس ومعاهد وكالة الغوث عشرات الآلاف من أبناء اللاجئين الفلسطينيين الفقراء الذين لم يكن لهم أي بديل سوى التعليم لتجاوز سوء الحال والبدء من جديد. وكانت النتيجة ارتفاع معدلات التعليم في أوساط اللاجئين إلى مستويات غير مسبوقة في معايير المنطقة، ثم ساهم هؤلاء في خدمة التعليم ورفعته في غير مكان من المنطقة، خاصة في منطقة الخليج العربي، إضافة إلى إنتاج نخبة من المبدعين والمفكرين المعروفين عالمياً. وقد كنت واحداً من بين كثيرين ممن درسوا في وكالة الغوث وتلقوا تعليماً مجانياً جيداً، وما أزال أتذكر تلك المدارس ببالغ الاحترام. وبالإضافة إلى ذلك، ربما تجدر الإشارة إلى أن وكالة الغوث قد شغلت الآلاف من هؤلاء الذين خرجتهم مدارسها في مدارسها ومعاهدها نفسها، أو في عياداتها الصحية ومرافقها الأخرى، كما وفرت العمل لعاملين غير مهرة في مهن لوجستية في مخيمات اللاجئين التي أقامتها هي.

أود أن أشير طبعاً إلى أنه لا يمكن لأحد أن يتغزل بخبرة اللجوء التي أنجبت وكالة الغوث، ولا ببطاقة الإعاشة، أو "كرت المؤن"، لأن صفة اللاجئ ليست مثارا للإعجاب ولا الافتخار. ولا يمكن أن أشكر العالم لأنه منّ على المهجرين الفلسطينيين بوكالة الغوث لتعوضهم عن الحق المسروق. لكن منح هذه الوكالة وثيقة دولية للفلسطيني تفيد بأنه "لاجئ"، بغض النظر عن النية المبيتة، تعني اعترافاً ضمنياً بأنه "لجأ" إلى مكان آمن قادماً من مكان خطر هو "وطنه الأصلي". وإذا كان هذا الوطن معروفاً وموثقاً في بطاقة اللجوء نفسها، كما في الحالة الفلسطينية، فإن قيمة هذه الوثيقة تصبح أغلى من أن تقدر بثمن. كما أن الاحتفاظ وعدم التواني في تسجيل كل وليد فلسطيني هو واجب مستحقّ بما لا يحتاج إلى تسويغ.

أضيف أخيراً أن "مخيمات اللاجئين" كانت قد اكتسبت اسمها من "الخيام" التي وزعتها وكالة الغوث. ولم تعد المخيمات الآن خياماً بعد أن حلت محلها بيوت الطوب والحجر، لكن المخيمات ما تزال تحتفظ بأسمائها وصفاتها الأولى، كمخيمات. ويعني ذلك أنها أماكن إقامة مؤقتة لأناس يعملون على العودة (أو استعادة الحق في العودة على الأقل) إلى ديارهم الأصلية المحتلة والمصادرة، وهو الحق الذي لا ينبغي تفكيك الوكالة قبل استعادته.

التعليق