وقوف الأردن بوجه إسرائيل

تم نشره في السبت 1 أيار / مايو 2010. 02:00 صباحاً

بعض الدوائر البحثية تعتقد أن الاردن لا يمتلك مصلحة واضحة في التصعيد غير المسبوق ضد اسرائيل، والأحرى أن تقوم دول أخرى بذلك، فالأردن تاريخيا كان متبنيا لمنهج سياسي وضعه في موقع القادر على التأثير بذهنية صنّاع القرار الغربيين وربما الاسرائيليين. الأردن بحسب هذه التحليلات يواجه انتهاكات اسرائيلية بالقدس موجهة ضده قبل غيره، وتنتقص من دوره المعترف به في معاهدة وادي عربة، لأنه يخرج عن خط اعتداله التاريخي الذي كان مؤملا أن يوصل علاقته مع جارته اسرائيل لدرجة من التشبيك والاعتماد المتبادل تحتمّ سواد حالة سلام واستقرار بين البلدين غير قابلة للاضمحلال، على غرار ما حدث مع الدول الاوروبية بعد تناحرها في الحرب العالمية الثانية.

هذا كلام غير مثقف ولا يعي أبسط حقائق التاريخ الحديث وينطوي على درجة من عدم الموضوعية. الحقيقة التي لا تقبل التأويل أن الأردن دُفع باتجاه التصعيد بسبب سلسلة من السلوكيات الاسرائيلية التي قفزت عن أبسط قواعد التعامل بين الدول، خاصة تلك التي كان مؤملا أن تكون صديقة، وقد بدأ ذلك قبل حكومة نتنياهو، ولكن هذا الأخير أتى ليسكب زيتا على النار. كيف لا وهو الذي كان يقول لسفراء الأردن لدى اسرائيل إنه يعرف مصلحة الأردن أكثر منهم!

إسرائيل هي التي بدأت بتبني منهج أحادي في القدس، ما دفع الأردن للتوجه لليونسكو، وإسرائيل هي التي حاولت مهادنة حماس محرجة الدول العربية التي التزمت بعزلها، وإسرائيل هي التي سلمت رفات جنود أردنيين لحزب الله في استخفاف غير مقبول ومستفز. يضاف لكل ذلك سلوك إسرائيل المقوض لقيام الدولة الفلسطينية والتي يعتبر قيامها مصلحة استراتيجية أردنية عليا لا تقبل الاستبدال أو الإحلال. كل هذا جعل الأردن يخلص إلى أن اسرائيل لا تستحق ولا تفهم معنى معاهدة السلام وأنها تعامل الأردن وكأنه مسلمة، ما يمكن اعتباره سلوكا يهدف لتقويض أفق العلاقة بين البلدين. إسرائيل فعلت ذلك عندما سادت علاقات طبيعية بينها وبين الأردن، ما ينسف نظرية أن "مصادقة إسرائيل" والاحتفاظ بعلاقات طيبة معها هي الطريق الأنسب للحفاظ على مصالح الأردن والعرب بالقدس، وليس مواجهتها والتصعيد معها. لم يرد الأردن أن يصعد وليس هذا جزءا من عقيدته السياسية، ولكنه خلص أن ليس من الحكمة في شيء عدم التصعيد مع من لا يحترم مصالحه.

المحفز الثاني للتصعيد الاردني هو الاعتقاد ربما بضرورة التماهي أو حتى سباق المواقف الأميركية في مواجهة نتنياهو. فبالإضافة إلى أن العرب والأردن مستفيدون من الموقف الأميركي ما يحتم دعمه، هم أيضا "أخلاقيا" ملزمون بتبني مواقف متقدمة عن تلك التي تبنتها الإدارة الاميركية. ونعجب بالفعل من الدول العربية التي تقف متفرجة على المواجهة الاميركية لإسرائيل من دون أن تتقدم خطوة وتسهم بإذكاء هذه المواجهة لصالحها.

لا ندري ما الأفق الذي ينتظر العلاقة الإردنية الإسرائيلية، ولكننا نعتقد أن مصالح الدولتين تشير بوضوح إلى افضلية العودة لحالة من العلاقات العادية يقوم الطرفان من خلالها باحترام المصالح المتبادلة وتلتزم بالابتعاد عن اي استفزازات. يدرك عقلاء إسرائيل أن الاردن وجيرته الحسنة هي في صميم وجوهر المصلحة الاسرائيلية العليا وأن معاهدة السلام مع الأردن والعلاقات الجيدة معه هي من أفضل ما حدث ويحدث لإسرائيل. أما لغير العقلاء، فنذكر أن الأردن يمتلك أوراقا مقلقة ومؤذية في مواجهة استمرار قفز إسرائيل عن مصالحه، والأردن وإن كان للآن ملتزما باستخدام السياسي والقانوني منها، إلا أننا لا نستبعد أن استمرار حالة الانحدار في العلاقة بين البلدين سيدفع الأردن ليستخدم أوراقه الأمنية التي لا تعني بالضرورة حربا، ولكنها لن تقل إيلاما عنها.

mohmmed.momani@alghad.jo

التعليق