ستيوارت مل والحرية الفردية

تم نشره في الخميس 29 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

يعرّف ستيوارت مِلْ الحرية الفردية في كتابه عن الحرية: "إنها حق الكيان الأخلاقي في أن يطوّر نفسه بطريقته الخاصة"، وهو يهدف من وراء بحثه الشهير تبيان القيمة الاجتماعية، التي تنجم عن تنمية الخصائص الفردية تنمية غنية وكامِلْة.

وفي سبيل هذه الغاية يرى مِلْ أن الفرد يجب ألا يكون مقيداً بالاعتبارات الاجتماعية حين يعمل على إنماء طبيعته العقلية والخلقية، وعليه يدعو إلى أكبر قدر ممكن من تحرر الفرد من سلطة الجماعة على أن يكون هذا القدر متناسباً مع العيش في مجتمع ما.

من هنا يأتي دفاعه في مسألة حرية الرأي موجهاً ضد تدخل (السلطة الجماعية للرأي العام) في شؤون الأفراد التي لاتهمّ غيرهم من أعضاء المجتمع. فالنمو المحتم للمساواة الاجتماعية وسيطرة الرأي العام يقود، برأيه، إلى فرض نير ظالم من وحدة الرأي ووحدة العمل على رقاب النوع الإنساني. إن هاجسه الأساس نظير توكفيل، الذي كان يشعر أن المشكلة الأساسية في نظام مبني على حكم الشعب هي الحيلولة دون استبداد الطبقات العامة للشعب التي تؤلف الأكثرية، وهذه هي الطبقة غير المتعلمة التي تتألف من الجماعات العامِلْة، للحيلولة دون استبداد هذه الطبقة بالأقلية المؤلفة من الأفراد الممتازين.

كان أكثر الناس، برأي مل، وما يزالون يخشون طغيان الأكثرية كما يخشون سائر أنواع الطغيان الأخرى، وذلك لأنه ينفذ في الغالب عن طريق إجراءات السلطات العامة. ولكن رجال الفكر يرون أن المجتمع حين يكون نفسه هو الطاغية، أي حين يكون المجتمع بجمِلْته ضد الفرد، فإن ذلك يعني أن أساليب طغيانه لا تنحصر بالإجراءات التي يمكن أن ينفذها عن طريق موظفيه السياسيين.

إن المجتمع قادر على إصدار الأوامر وعلى تنفيذها بنفسه. فإذا أصدر أوامر خاطئة بدلاً من الصحيحة، أو إن أصدر أوامر في شؤون يجب ألا يتدخل فيها، فإنه يمارس بذلك طغياناً اجتماعياً هو اشد عتواً من كثير من ألوان الاضطهاد السياسي، لأنه وإن لم تدعمه عادة عقوبات شديدة، فإن وسائل النجاة التي يتركها قليلة، وهو ينفذ إلى الصميم في كثير من نواحي الحياة، ويستعبد الروح ذاتها. لهذا كان الاحتماء من طغيان الحكام غير كاف.

وكان لا بد من حماية ضد طغيان الآراء والمشاعر الشائعة، وكان مل ضد أن يفرض المجتمع، من دون اللجوء إلى العقوبات المدنية، آراءه الخاصة وطقوسه كقواعد للسلوك، يفرضها حتى على أولئك الذين لا يوافقون عليها، ليكبل النمو والتطور، ويمنع إن أمكن تكوين أي شخصية فردية لا تكون منسجمة مع طرقه، ويجبر كل الطبائع على تكييف نفسها طبق أي نموذج من صنعه هو. إن هنالك حداّ للتدخل المشروع في استقلال الفرد من قبل الرأي الجماعي. وإن إيجاد ذلك الحدّ وصيانته من التجاوز أو الاعتداء عليه لازم لحسن سلامة شؤون الناس لزوم الاحتماء من الاستبداد السياسي. من هنا يوضح مل أن غرضه من هذا البحث ليس الحرية التي تسمى حرية الإرادة والتي تقابل ما يسمى خطأ بالضرورة الفلسفية، وإنما موضوعه الحرية المدنية أو الاجتماعية، وطبيعة السلطة التي يمارسها المجتمع على الأفراد، وحدودها.

السؤال الذي ينشأ، ويعدّه مل السؤال العملي والمباشر هو: أين يجب وضع الحدّ وكيف يمكن تحقيق التوفيق المناسب بين الاستقلال الفردي والسيطرة الاجتماعية؟ هذا السؤال يبقى الموضوع الذي عليه يتوقف كل شيء تقريباً.

لا يعتبر مل أن حرية السلوك الذي يمس الغير غاية في ذاتها. فهو يشدد على قيمة الحرية و يلحّ على الاعتراف بها، ولكنه لا يدعي أن أي حرية هي مطلقة. إن حرية الفرد مبررة لأنها- كما يرى- تسهم في الصالح العام، وهي وسيلة قيمة لغاية أعلى منها هي ( التقدم الاجتماعي)، الذي يهم كل عضو في المجتمع. ويعتقد مِلْ أن مبدأه يقدم مقياساً علمياً للتمييز بين تلك الأفعال التي تساعد التقدم وبين تلك التي تعرقله. فالأفعال الأولى يجب تشجيعها في الحياة العملية أما الأخرى فيمكن تقييدها. هكذا يعتقد مِلْ أنه حل المشكلة في العلاقة بين الحرية والسلطة.

وبرأيه، فإن الغاية الوحيدة التي تجيز للبشر، أفراداً كانوا أم جماعة، أن يتدخلوا في حرية أفعال أي واحد منهم إنما هي حماية الذات.

الغرض الوحيد الذي من أجله يمكن ممارسة السلطة في أي مجتمع متمدن على عضو منه رغم إرادته إنما هو دفع للأذى عن الغير. فلا يكفي أن يكون الهدف الخير الخاص للعضو، مادياً كان هذا الخير أم معنوياً. لا يجوز عدلاً إرغامه على القيام بأمر أو الامتناع عنه لأن في ذلك خيراً له، أو لأن ذلك يجعله أسعد حالاً، أو لأن الآخرين يرون أن من الحكمة والصواب فعل ذلك.

إذن الحالة الوحيدة التي تجيز إخضاع الفعل العفوي الفردي للقيد الخارجي، هي حين تكون أفعال الفرد ماسة بمصالح الآخرين؛ فإذا أتى امرؤ ما فعلاً يؤذي الغير فإن هناك وضعا واضحا يدفع إلى معاقبته عن طريق القانون أو بوساطة الاستنكار العام حين يتعذر تطبيق العقوبات القانونية بأمان. ولكن الشخص قد يسيء إلى الغير لا بما يفعل فحسب ولكن بامتناعه أحياناً عن الفعل أيضاً وهو في كلتا الحالتين مسؤول أمام الغير عن الضرر.

ويشير مل إلى أن هنالك دائرة للأفعال، إن كان للمجتمع المتميز بجملته عن الفرد مصلحة فيها، فإنما هي مصلحة غير مباشرة، وتشمل هذه الدائرة ذلك الجزء من حياة الفرد وسلوكه الذي لا يمس إلا شخصه وحده، أو إن مسّ غيره من الناس فيكون ذلك بمحض إرادتهم، وموافقتهم التي لا خداع فيها، واشتراكهم.

ذلك هو نطاق الحرية البشرية الخاص بها، إنه يشمل أولاً مملكة الوعي الداخلية التي تتطلب حرية الضمير بأوسع معانيها وحرية الفكر والشعور، والحرية المطلقة للرأي والعاطفة في كل المواضيع العلمية أو النظرية العلمية أو الأخلاقية أو الدينية.

ثانياً يتطلب مبدأ حرية التذوق والمشارب، وحرية تصميم خطة لحياتنا توافق طبعنا، وحرية العمل وفق ما نحب ونرغب.... وثالثاً، من هذه الحرية لكل فرد تنشأ ضمن الشروط نفسها حرية التكتل بين الأفراد، حرية الاتحاد والتضامن في سبيل أي هدف لا ينطوي على إيذاء الغير.

وكل مجتمع لا تحترم فيه هذه الحريات عموما لا يكون حرّاً مهما كان شكل حكومته، ولا يكون أي مجتمع حرا حرّية تامّة إن لم تكن فيه هذه الحريات مطلقة وكاملة الشروط. والحرية الوحيدة الجديرة بهذا الاسم هي حريتنا في أن ننشد خيرنا بطريقتنا الخاصة، ما دمنا لا نحاول حرمان الغير من خيراتهم ولا نعرقل جهودهم في الحصول عليها.

لكن وسائل الضغط المعنوي ضد الانحراف عن الرأي السائد قد استعملت هنا بشدة أعظم في المسائل التي تمس الفرد مما في المسائل الاجتماعية. ويعتبر مل هذا الاستبداد أقسى بشكل يفوق ما فكر به أشد الفلاسفة القدماء صلفاً في تفكيرهم السياسي.

وينكر مل على الأغلبية ممارسة حق الضغط والإكراه، سواء أكانت تمارس ذلك مباشرة أو عن طريق حكومتها الممثلة لها. ولو أجمع البشر كلهم على رأي وشذ واحد بمفرده عنهم لما جاز لهم إسكاته، كما أنه هو، لو أوتي القوة، لا يجوز له إسكاتهم؛ ولكن الشر الخاص في إخماد التعبير عن الرأي أنه سرقة: إنه سرقة تقع على العرق الإنساني في الأجيال الحاضرة وفي الأجيال المقبلة، وتقع على مخالفي الرأي كما تصيب معتنقيه. فإن كان الرأي صحيحا حرموا فرصة استبدال الباطل بالحقّ وإن كان خاطئا خسروا فائدة كبيرة هي حصحصة الحق وظهوره جلياً واضحا بعد مقارعته بالباطل.

ثمة بون شاسع بين افتراض صحة الرأي الذي يكون قد صمد في كل المناقشات ولم يدحض، وبين فرض صحة الرأي بغية عدم السماح بدحضه. والحرية التامة التي يتمتع بها كل إنسان في معارضة آرائنا ودحضها هي الشرط الأساسي الذي يبرر موقفنا في افتراض صحتها والعمل بموجبها. ومن دون هذا الشرط لا يستطيع أي مخلوق يحمل معه الملكات الإنسانية أن يصل إلى ضمانة معقولة أنه على حق. إن الميل القتال إلى إهمال التفكير والمناقشة في أمر لم يعد مشكوكاً فيه إنما هو سبب نصف أخطاء البشر ولقد أجاد أحد الكتاب المعاصرين حين تحدث عن السبات العميق لرأي مقبول مقرر.

ويخلص مل إلى البرهان على ضرورة النقد والتفكير والمناقشة وحرية الرأي استنادا إلى أربعة أسس هي:

أولاً: إذا أرغم رأي ما على السكوت، فمن الممكن أن يكون ذلك الرأي صحيحا وإنكار ذلك ادعاء منا بالعصمة.

ثانياً: إذا كان ذلك الرأي الذي أخمد خاطئاً، فمن الممكن أن يحتوي على جزء من الحقيقة، وكثيراً ما يحدث ذلك. وبما أن الرأي العام أو الشائع في أي موضوع لا يكون كل الحقيقة، أو يندر أن يكون كذلك فلا أملَ في تأمين الجزء الباقي من الحقيقة إلا عن طريق احتكاك الآراء المتضادة .

ثالثاً: إذا كان الرأي المسلم به صحيحاً ويتضمن كل الحقيقة، فإنه، إذا لم يناقش بعزم وإخلاص، يبقى مجرد تحيز لدى معظم الذين يسلمون به، ثم إنهم لا يدركون إلا اليسير من أسسه المعقولة. ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ وحده، بل وهنا يجب أن نضيف:

رابعاً: إن معنى المذهب نفسه يصبح مهددا بالضياع أو الضمور والهزال، ويفقد المذهب أثره الحيوي على الخلق والسلوك إذ يصبح المذهب المقرر مجرد اعتراف شكلي لا خير فيه يقف عثرة تحول من دون نمو أي اقتناع حقيقي صميمي صادر عن العقل أو الخبرة الشخصية.

في حدود سلطة المجتمع على الفرد يتساءل مل أخيرا، ما هو الحد الشرعي لسيادة الفرد على نفسه؟ أين تبدأ سلطة المجتمع ؟ماذا يجب أن يعود للفردية من الحياة البشرية وماذا يجب أن يعود للمجتمع؟ إن كلا منهما ينال حصته العادلة إذا هو احتفظ بما يخصه أو يعنيه. فيكون للفردية جزء الحياة الذي يهم الفرد، وللمجتمع الجزء الذي يهم المجتمع.

إن من ينال حماية المجتمع، باعتقاد مل، يكون مديناً له مقابل ذلك، والعيش في المجتمع يقتضي حتماً أن يتقيد كل فرد بخطة من السلوك تجاه الآخرين. يتألف هذا السلوك أولاً من عدم إضرار الواحد بمصالح الآخر، أو بالأحرى عدم الإضرار بتلك المصالح التي يجب أن تعتبر حقوقاً إما بموجب نص قانوني صريح أو بموجب تفاهم ضمني. ويتألف هذا السلوك ثانياً من تحمل كل فرد نصيبه الذي يقرر وفق مبدأ منصف، مما تقتضيه صيانة المجتمع أو أعضائه من أتعاب وتضحيات. ويحق للمجتمع مهما كلف الأمر أن يفرض تحقيق هذين الشرطين على من يحاول الامتناع عن ذلك.

ويعتبر الشخص هو صاحب الشأن الأول فيما يختص بخيره الذاتي، ولا يعتد بشأن الآخرين فيه إلا في حالات العلاقة الشخصية القوية، وما شأن المجتمع به كفرد إلا شأن جزئي غير مباشر. إن تدخل المجتمع للتحكم في حكمه وأغراضه الخاصة به لا بدّ أن يقوم على افتراضات عامة قد تكون خاطئة، وإن كانت صحيحة فقد يسيء تطبيقها على الحالات الفردية أناس يجهلون تلك الحالات كما يجهلها أولئك الذين ينظرون إليها من الخارج فقط. في هذه الدائرة من شؤون البشر يقع مجال عمل الفردية.

ويجزم مل هنا بأن الضرر الذي يلحقه شخص بنفسه قد يكون ذا أثر خطير على الغير ممن لهم علاقة به، وبدرجة أقل على المجتمع عموما. فإذا قاد مثل هذا السلوك شخصاً إلى الإخلال بواجب واضح نحو الغير، فإن القضية تخرج عن نطاق الشؤون الذاتية وتصبح في متناول التنديد الأخلاقي بمعناه الصحيح.

وباعتقاده، فإن أقوى حجة ضد تدخل المجتمع بشؤون الفرد الخاصة هي بأن تدخله غالبا ما يكون خاطئا وفي غير محله. إن رأي العموم، أي الأكثرية السائدة في مسائل الأخلاق الاجتماعية والواجب نحو الغير كثيراً ما يكون خاطئاً، رغم أنه كثيراً ما يظهر مصيباً لأن المطلوب منه إذ ذاك أن يحكم في مصالح الأكثرية، وفي الطريقة التي يمكن أن يؤثر عليها فيها نوع من السلوك قد يسمح بممارسته.

أما فرض رأي الأكثرية كقانون على الأقلية في شؤون السلوك الخاص، فإنه قد يكون خاطئاً بقدر ما يكون صائبا، لأن الرأي العام في مثل هذه الحالات لا يعدو كونه رأي بعض الناس فيما هو خير أو شر للغير، بينما هو كثيراً ما لا يعني حتى هذا، فتهمله العامة ولا تبالي بإرادة أصحابه ورضاهم ولا تهتم إلا بما تفضله.

*كاتب سوري

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org.

التعليق