حبذا عصر القلم والورق !

تم نشره في الخميس 29 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

فكرتُ كثيراً قبل اليوم في رثاء عصر القلم والورق، فكانت الأفكار تتداعى دائماً شاعرية الطابع، وبدا العنوان ممجوجاً لكثرة ما كُتب فيه، ولذلك تهربت من البوح بذلك الحنين إلى وقت لاحق. لكن هذه اللحظات التي أغلقُ فيها حاسوبي، وأبحثُ فيها عن القلم والأوراق، تغصُّ بضيق لا أطيق كتمانه.

باختصار، أفضت حركة خاطئة واحدة لحفظ ملف على الحاسوب إلى تضييع عمل شهر كامل من ترجمتي مادة فلسفية عويصة. ووجدتُ نفسي وقد أُسقِط في يدي مرّة واحدة، كما يحدث عندما نفقد عزيزاً فنقف عاجزين أمام جبروت القدر.

وليس هذا هو المقلب الأول الذي أشربه من "التكنولوجيا"، ولست الوحيد الذي شربه مُرّاً، كما لا بد خبرتم. لكن المصيبة أنني لم أتعلّم من عشرات اللدغات التي أصابتني بها هذه الأفعى الملساء الرقطاء، طوال أكثر من عشرين عاماً من دخولي اليومي جحرها البلاستيكي. وكانت واحدة من أكثر لدغاتها وجعاً عندما تعرض مكان عملي للسطو، وبين المسروقات كان جهاز الحاسوب الذي أودعته أفكاري. وكانت النتيجة، حرفياً، سرقة جزء من ذاكرتي الشخصية.

أما عن مصائب غيري، فتعودني الآن ذكرى صديق قديم راحل بألم مضاعف. وكان صاحبي أسرع من شاهدت طباعة على الحاسوب، حتى كان الأخير يلهث وراء أصابعه الطائرة فلا يدركها إلى حين يرفع يديه عن لوحة المفاتيح. وقد أنجز يوماً طباعة التقرير السنوي لدائرته قبيل نهاية العام، بنصوصه وجداوله ورسوماته، ليخرج له الحاسوب لسانه المتشعب، ويكتب له بكل برود الآلة: "الملف عاطل ولا يمكن فتحه".! ولم ينفع صاحبي شيء، في غياب الحواسيب النقالة آنذاك، سوى اعتقال نفسه في مكان عمله أربعة أيام بلياليها ليعيد طباعة المادة كلها. ولأن "إسماعيل" لم يكن عادياً في غير الطباعة، فقد خطفه الموت مبكراً، وأعاد إليّ اليومَ ملفي المفقودُ مرارةَ فقدانه.

لو لم تكن المناسبة بكاء الكتابة على الورق بالذات، في هذه اللحظة بالذات، لكنتُ كتبتُ عما سرقته "التكنولوجيا" من دفء مساءات الأسرة الملتمّة، واغتيالها الكِتاب والشَّباب لحساب ألعاب "الأتاري"، وسطوها على روح الثقافة، وانتهاكها الخصوصية، وتيسيرها القتل عن بُعد. لكن ضربة الملف الضائع ما تزال ساخنة، ولذلك أعود فأقول إنني بحثت حولي عن ورق للكتابة بعد "حرَدي" من الحاسوب، فلم أجد في المتناول سوى ورقتين مطبوعتين أيضاً على الحاسوب، واضطررت إلى الكتابة على قفاهما. وخِلتُني أكتب مطمئناً إلى أن أفكاري وحزني على عملي المُصادر لن يضيعا هذه المرة؛ فقد أجد هاتين الورقتين بعد عَقد بين أوراقي القديمة كما يحدث كثيراً عندما أرتّب كتبي. والحقيقة أنني مرتبك..!

تربكني الحقائق التي تتداعى مع الكتابة. ومنها أنني سأجد على الأغلب نسخة من هذه "المرثية"، بعد عقد وأكثر، في أرشيف "الغد" وعلى موقعها الألكتروني. وأعرف أيضاً أن "حرَدي" من التقنية لن يعفيني من إعادة "طباعة" هذه الكلمات على الحاسوب أيضاً، أو تحويل الورقتين إلى الزملاء في قسم التنضيد إذا أمعنتُ في الحَرَد، كي تصلكم مطبوعة على ورق الصحيفة أو موقعها الألكتروني.

وفوق ذلك، أخشى أن يفهمني قارئ خطأ، فيظنني رجعياً وعدوّاً للتقنية والحداثة وجاهلاً بمزاياهما، ثم يلومني على رعونتي في حفظ ملفي و"قلة إيماني"، لأني تعرضت مرات للدغات الجُحر الواحد، وليس مرتين.. وذلك لا يعزّيني.!

لكنني أجد بعض السلوى في الكلمات التي تتعاقبُ أمامي على الورق مخطوطة بالحبر الأزرق. وقد شُطبت كلمة هنا، وأضيفت كلمة على الهامش، موصولة بخط يمتد متعرجاً بين الكلمات برأس سهم، هناك. ويهدئ خاطري أن خطّ يدي ما يزال أنيقاً، وأسطري مستقيمة كأنها قُدّت بالبركار. وتزحف الواقعية من تحت الكلمات لتذكرني بوجوب الكف عن الندب والشروع بإعادة ترجمة مادتي من الأول -ربما ليس على الورق اختصاراً للوقت.. وفوق ذلك، أوثر كعادتي أن "أطبع" مادتي بيدي، تخفيفاً عن زملائي وتجنباً لاحتمال الخطأ.

لذلك، سأضع القلم، وأتصالح مع أفعى التقنية، وأشرع في كتابة هذه المرثية المضحكة المبكية مرة أخرى، مطبوعة على الحاسوب وليس على الورق، لأوصلها إليكم..!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »... (هيثم الشيشاني)

    الخميس 29 نيسان / أبريل 2010.
    آه و الله يا حبّذا.
    عبق الورق و مداد القلم في اندثار سريع. لا أحبّ ذلك ، مطلقا ً.
    نتماهى مع التكنولوجيا و لكن رغما ً عنا.
  • »أثرت الشجون يا استاذ (محمود عبيدالله)

    الخميس 29 نيسان / أبريل 2010.
    أثرت الشجون يا استاذ علاء ، من خط أحلامه أو أماله بقلمه على ورق ، فكانت تسليه عن عدم تحققها، هو وحده من يشعر بالفارق بين الصندوق البلاستيكي والورقة .. دم بخير