أسرار عسكرية إسرائيلية

تم نشره في الجمعة 16 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

ضجت إسرائيل وما تزال بقضية قيام المجندة السابقة عنات كام في مكتب قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال بتسريب ألفي "وثيقة سرية"، وسلمتها إلى الصحافي من صحيفة "هآرتس" أوري بلاو، الذي نشر في نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2008، تقريرا حول جرائم اغتيال الفلسطينيين التي ينفذها جيش الاحتلال، ومنها ما يتناقض مع قرار المحكمة العليا الإسرائيلية، التي نادرا ما تصدر قرارات تتناقض مع سياسة وعقلية الحرب والاحتلال الاجرامية.

وتدور أحداث هذه القضية منذ اليوم التالي لنشر التقرير، الذي صادقت عليه الرقابة العسكرية الإسرائيلية قبل نشره في الصحيفة إياها، ووصلت إلى مرحلة التحقيقات مع الصحافي بلاو، الذي غادر إسرائيل حاليا بسبب الملاحقات السياسية ضده، ومع المجندة "كام" التي تخضع للاعتقال البيتي منذ خمسة أشهر، وتنوي النيابة توجيه لائحة اتهام لها، بتهمة "الخيانة الخطيرة".

إن ما يكشف حجم تهويل القضية من قبل الجيش وجهاز المخابرات العامة "الشاباك"، هو أن من توجه له تهمة "الخيانة الخطيرة"، لا يمكن أن يكون معتقلا في اعتقال منزلي منذ خمسة أشهر، إذ أن الحكم على تهمة كهذه يتراوح ما بين 15 عاما ومدى الحياة.

ثانيا، فإن التقرير الذي أزعج زعماء جيش الاحتلال مرّ على الرقابة العسكرية وصادقت عليه كليا قبل نشره، بمعنى أنه لا يوجد في التقرير الذي استند إلى تلك الوثائق ما يهدد أمن "دولة اليهود" "واحة الديمقراطية الشرق أوسطية"، كما يحلو لبني صهيون تسميتها.

وثالثا، فلو أن تلك الوثائق بهذه الدرجة من الخطورة، فإن المجندة كانت ستقبع في أعمق الزنازين تحت الارض، وما كان ذلك الصحافي قد نجح اصلا بمغادرة إسرائيل.

ولكن القضية الاساس هي قضية انتقام من مجنّدة يتهمها رئيس الشاباك يوفال ديكسين بأنها من "اليسار المتطرف"، وهي تنفي توجهات سياسية كهذه، وقالت إنها قامت بذلك من منطلقات ضميرية ضد جرائم الاغتيال، وانتقام من الصحافي بلاو، الذي كشف في العامين الأخيرين عن أن وزير الحرب إيهود باراك نقل مشاريعه الاقتصادية ذات العلاقة بالقضايا العسكرية لابنته.

إلا أن حقوقيين في إسرائيل حذروا من أن خطوة الشاباك وجيش الاحتلال هي محاولة ترهيب للصحافيين وكم أفواههم، لئلا يتجرأ أحد منهم مستقبلا على نشر أسرار جرائم الاحتلال، وعن كيفية إدارة الأمور في المؤسسة العسكرية، فالتقرير الذي نشر، يؤكد مدى استخفاف المؤسسة العسكرية بالجهاز القضائي، الذي أصلا لم يخذلها كثيرا.

وعلى الرغم من هذه التحذيرات فقد انقسم الصحافيون ووسائل الإعلام إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى، وعلى رأسها صحيفة "هآرتس" هاجمت الجيش والشاباك، مؤكدة أن القضية هي قضية ترهيب، ووقف إلى جانب الصحيفة عدد لا بأس به من الصحافيين، ممن يسعون إلى استقلالية اقلامهم.

والمجموعة الثانية، فهي تلك التي لم تخف وقوفها إلى جانب الجيش والشاباك، من منطلق صيانة "البقرة المقدسة" التي اسمها الأمن، ولكن هؤلاء بالاساس مراسلون عسكريون، يسعون ليكونوا مرضيا عنهم ليتزودوا بالمعلومات، وهناك أيضا من اتخذ هذا الموقف من منطلق تصفية حسابات مع الصحيفة ذاتها.

أما المجموعة الثالثة، فهي مجموعة وقفت في الوسط، ولكن طغى على لهجتها التأتأة الانتهازية كي ترضي كل الأطراف ولم تنجح.

وفي المجمل نقول إن لا أحد بامكانه أن يكشف اسرارا عسكرية في إسرائيل، وفي الغالب جدا من الأحوال، إذا تم كشف أمر ما على درجة كبيرة من الأهمية "والخطورة"، فإن المؤسسة العسكرية ذاتها هي من تبادر لهذا التسريب بهدف ايصال رسائل إلى جهات خارجية، أو بهدف تصفية شخصية عسكرية أو سياسية ما.

الحالة الوحيدة التي جرى فيها كشف خطير، كانت في العام 1986، حينما كشف الخبير النووي مردخاي فعنونو بعض اسرار المفاعل النووي، ليقبع في السجن 18 عاما، ولكنه يعيش منذ 6 سنوات تحت وطأة تقييدات شديدة على حركته وحياته ومنعه من السفر إلى الخارج، واتهمه البعض أنه سرّب المعلومات بايعاز من المؤسسة العسكرية، ولكن واقع حياته وسجنه يؤكد أن من ادعى هذا قد ظلمه.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق