بين غسل الملابس وأسعار اللحوم

تم نشره في السبت 3 نيسان / أبريل 2010. 03:00 صباحاً

كان الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الاميركي، ألان جرينسبان، يجد في زيادة الطلب على محلات غسل وكي الملابس ملمحا اقتصاديا ومؤشرا على وجود انتعاش ما في السوق او الاسواق الاميركية التي يسعى لفهمها هذا العقل الاقتصادي الكبير.

وكان جرينسبان يقوم بزيارات لمحلات عديدة بنفسه لرصد تغيرات الطلب بالاتجاهين، ويتبع مرحلة الفهم تلك قرارات تتعلق بهيكل الفائدة في السوق المصرفية هبوطا او ارتفاعا لا سيما المتعلقة بتمويلات الافراد.

وبطبيعة الحال فإن قياس مدى رفاه المستهلكين وتحسن أوضاعهم من عدمها ليس امرا سهلا، ولم يكن يقتصر قرار الفائدة على مسألة الاقبال او الاحجام عن غسل الملابس وكيها، فمكتب جرينسبان كان يضج بالاوراق والدراسات التي تبدأ ولا تنتهي.

واذا كانت شخصية اقتصادية عالمية بحجم جرينسبان تحاول ان تتلمس اوضاع الناس في ابسط تفاصيل حياتهم، فالاجدى بالحكومة في بلادنا ان تنحو هذا المنحى في فهم واقع الفقر والفقراء وعموم أحوال الاردنيين، لا سيما وان المقاربة على "الطريقة الجرينسبانية" تصبح أكثر جدوى اذا علمنا ان نتائج دراسة الفقر في المملكة تأخرت من دون ان تبدي الحكومة اسبابا لهذا التأخير.

قد لا يصلح قياس الطلب على محلات غسل وكي الملابس لدينا، لكن جولة على اسواق بيع اللحوم المستوردة والبلدية في أي من اسواق العاصمة او حتى خارج العاصمة كفيلة بمنح المسؤول صورة واضحة حول قدرات المستهلكين ومدى فقرهم وتحديد شرائحهم وقياس امكانية مساعدتهم على صعيد السياسات الاقتصادية بخاصة المتعلقة بالاستيراد والتصدير ورفع قيد الاحتكار الذي يكبل اي قدرة لمحدودي الدخل في البلاد من شراء اي كمية من اللحوم سواء كانت محلية ام اجنبية.

نعم جولة واحدة في احد الاسواق التي تبيع اللحوم كفيلة بأن تظهر واقع الفقر والاستهلاك رغم تشوهه أحيانا، فأصحاب الملاحم البلدية يشتكون من تدني الطلب وانحساره رغم انهم لا يعرضون خلال الربع الاول الا ثلث ما كانوا يعرضونه في العام الماضي او الذي سبقه، ويؤكدون ان كلفة تربية وتغذية المواشي المحلية في ارتفاع دائم ولذلك فان اسعارها ارتفعت فوق 15 دولارا للكيلو الواحد، والسؤال هنا من يقوى على سعر 15 دولارا للكيلو من ذوي الدخل المحدود؟

الجولة ذاتها تقود الى فهم حالة احتكارية بالنسبة للحوم المستوردة، وهي التي يدعي فيها صغار التجار بوجود احتكار ينفذه قلة من كبار التجار الذين لا يوفرون للسوق كميات من اللحوم المستوردة كافية لطلب المستهلكين الذين يبحثون عن اسعار معقولة.

وهكذا تكون الكمية غير كافية ويبقى السعر مرتفعا بموجب الأسس التقليدية لمعادلة العرض والطلب، ويتخطى سعر كيلو اللحم المستورد 10 دولارات، والسؤال يتكرر مرة اخرى، من يقوى بدخل متواضع على شراء كيلو لحم مستورد بعشرة دولارات؟.

وتتصاعد اسعار اللحوم المستوردة رغم ان الاردن يفتح ابوابا للاستيراد من سورية ودبي والسودان وجورجيا واستراليا وغيرها من الدول، وفوضى الاسعار تتواصل رغم ان عدد الذبائح العام الماضي بلغ 1.5 مليون ذبيحة وهو عدد مرتفع، بينما بلغ عدد رؤوس الاغنام المصدرة الى الخارج نحو 60 الف رأس.

خلال عامين فقط تضاعفت اسعار اللحوم المحلية والمستوردة، ولم تتضاعف او ترتفع بنسب ملموسة رواتب واجور الاردنيين، وبينما كان يخجل كثيرون من الحديث في السابق عن عدم شرائهم اللحوم، يبدو المشهد حاليا اقرب الى الواقعية، فبمجرد ان تأتي على ذكر اسعار اللحوم في اي جلسة تجد أعدادا غير منتهية ممن يخبرونك عن انهم هجروها ونسوا طعمها ويصابون بالغثيان كلما قرأوا سعرا جديدا لها على بوابات المحلات.

إنها دعوة لمقاربة واقعية وحقيقية ومحاولة للفهم، بانتظار ظهور نتائج الدراسات المتخصصة عن الفقر وأهله.

hassan.shobaki@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاسعار (وائل جدعان)

    السبت 3 نيسان / أبريل 2010.
    الاستاذ حسن مقالك هذا يدعونا لاعادة النظر بدور الجهات الرقابية وجديتها في هذا الاطار وليس غريبا اذا طالب احدنا بعودة وزارة التموين خاصة اذا ما اعترفنا بأن هناك فئة كبيرة جدا من التجار لا تقيم وزنا للوضع الاقتصادي الصعب للمواطن وهمها أن تربح بصرف النظر عن اي شيء آخر
  • »poverty (kul khair)

    السبت 3 نيسان / أبريل 2010.
    My opinion is instead of exporting that big number of sheep out of the kingdom keep it to the people to buy for cheaper prices . Its not right everything is getting more and more expensive and the salaries are the same, May allah be with the poor people its not only the meat.