التفاوض من دون مفاوضات

تم نشره في الأربعاء 24 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

يصعب حتى الآن القول بأنّ أي إنجاز تحقق على صعيد مواجهة السياسات الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، ولكن هناك تفاعلات ومقدمات يمكن استثمارها، في سياق المواقف الأميركية والأوروبية من الاستيطان.

لم يعلن رئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو وقف الاستيطان فعليّا في القدس أو الضفة الغربية، وكل ما أعلنه هو إجراءات تجميد جزئية وتأجيل لبدء مشاريع، وحتى هذه الإعلانات لا يوجد سبب لتصديقها كليّا. ولم تتخذ الولايات المتحدة أي إجراء، حتى من نوع خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل كما حدث في منتصف السبعينيات، أو وقف ضمانات القروض كما حدث مطلع التسعينيات. وبالتالي فكل ما يحدث، حتى الآن، هو مواقف لفظية يمكن مسح آثارها. وحتى إذا عنت أنّ موقفا أميركيا سيتم تبنيه لإسقاط حكومة نتنياهو، كما حدث إبّان عهد إدارة بيل كلينتون، فإنّ هذا يعني الدخول مجددا في لعبة انتظار نتائج الانتخابات.

هذا لا يعني أنّ استثمار هذه الأجواء ليس ممكنا. ففي سياق هذه المواقف زاد التركيز دوليّا على أهمية الدولة الفلسطينية المستقلة، وعلى أهمية بناء مؤسسات وهياكل الدولة التي تقوم بها حكومة سلام فيّاض. كما أنّ تقليص نتنياهو من خطابه المتبجح بشأن القدس هو تراجع في موقف "إسرائيل" الأيديولوجي والدعائي.

من سوء حظ نتنياهو، أنّه عدا عن نجاح الإدارة الأميركية في حشد رأي عام أميركي مؤيد لوجهة نظرها إزاء سياساته، جاء فوز باراك أوباما التاريخي بتصويت مجلس النواب حول مشروع إصلاح النّظام الصحي، بجهود بعض أهم مؤيدي "إسرائيل" في الكونجرس من الحزب الديمقراطي، ليؤكد أنّ أوباما نجح جزئيّا على الأقل في الفصل بين قضية إسرائيل وبين باقي ملفات الرئاسة الأميركية. وعزز من موقعه الرئاسي. وهذا سيضعف قدرة نتنياهو على تحدي البيت الأبيض.

في خطابها أمام مؤتمر لجنة العلاقات الأميركية الإسرائيلية (إيباك) كررت وزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، مقولة قائد القوات المركزية الأميركية ديفيد بترايوس، أنّ الصراع العربي الإسرائيلي لا يخدم مصالح الولايات المتحدة. وهذه مقولة حاسمة يعتبر تكرار ترديدها دلالة مهمة.

عمليّا تثبت التفاعلات في الأيام الفائتة، أنّ أهم ورقتين يمكن استغلالهما حاليّا هما: الورقة الجماهيرية، وورقة أثر الصراع العربي الإسرائيلي على المصالح الأميركية بعيدة المدى في المنطقة.

إذ إنّ الولايات المتحدة معنية في هذه الفترة كثيرا بتغيير أجواء التوتر والقلق في المنطقة، وهذا مهم في سياقات منها "الحرب على الإرهاب"، والحشد ضد إيران. ومن هنا فإن التوسع في المواجهات الشعبية المدروسة بعناية ضد الاحتلال، وزيادة مساحة فعاليات التضامن الدولية والعربية، من شأنه أن يزيد من إدراك الطرف الدولي بأهمية التحرك لإنهاء السياسات الإسرائيلية، كما سيوجد هذا أرضية مناسبة للمواجهة المباشرة الميدانية مع الاحتلال والاستيطان، ومحاصرتهما ميدانيا. كما أنّ مواقف واضحة وقوية في القمة العربية المقبلة، إزاء قضايا الاحتلال والاستيطان والقدس، ستكون ورقة مهمة للغاية.

تثبت التفاعلات الحالية أنّ مسار المفاوضات ونتائجها مع حكومة مثل الحكومة الإسرائيلية تتحدد إلى حد كبير، على أساس حسابات سياسية وميدانية، لا علاقة لها بجلسات التفاوض المباشرة أو غير المباشرة، ومن هنا فإنّ التركيز في هذه المرحلة على الجو العام والمعطيات المحيطة بالعملية السياسية هي المحددات الحقيقية للتفاوض، وأهم من بدء المفاوضات فعليا. وبالتالي فإنّ موقف الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس الذي تم إبلاغه إلى المبعوث الأميركي جورج ميتشل بعدم العودة للتفاوض قبل وقف الاستيطان وسياسات القتل الإسرائيلية، يمكن أن يتحول لاستراتيجية ناجحة يدعمها تصعيد المقاومة الشعبية وبلورة موقف قوي في القمة العربية المقبلة يعزز القناعة بخطورة الصراع العربي الإسرائيلي على المصالح الأميركية إقليميّا.

ahmed.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال كله درر (خالد السلايمة)

    الأربعاء 24 آذار / مارس 2010.
    أسعد الله أوقاتك أخي العزيز أحمد,

    مقالك كالعادة رائع و تحليلك يضع للقارىء الأمور بشكل سليم.

    أؤيدك تمامآ أن الشعب الفلسطيني و قيادته عليهم إستغلال الظرف الراهن و الذي هو لا حرب و لا سلم في تقوية كل مفاصل الحياة. علينا بث روح التحسين و التنمية و التطوير في كل ما يتعلق بحياة الفلسطيني في الداخل و ذلك لعدة أسباب. الأول أن إسرائيل تعمد على جعل الشعب الفلسطيني متأخر في كل شيء و هذا ما لا نقبله, و الثاني و الذي لا يقل أهمية عن الأول, هو الإستعداد للمواجهة حين تحصل, فالمواجهة تتطلب شعبآ يتمتع بصحة جيدة و علم جيد و قدرة تنظيمية جيدة و بنية تحتية جاهزة.

    بالنسبة للولايات المتحدة و إسرائيل, أعتقد جازمآ أن تململآ إما حدث أو سيحدث في القريب العاجل داخل دوائر صنع القرار الأمريكي من إسرائيل. يعني يا جماعة, إسرائيل الخبيثة و السيئة و القاتلة و المدمرة و المتعنتة و كل الأوصاف السيئة التي تنطبق عليها, سيؤدي ذلك في يوم من الأيام إلى أن تقول أميريكا إلى إسرائيل, "أنت قبيحة"! علينا فقط ترك إسرائيل تتصرف بالغباء و الصلف الإسرائيليين المعهودين و ستأتي النتائج تباعآ! يعني, حين طردت أوروبا اليهود إلى فلسطين و حين ذبحوهم في إسبانيا, هذا لم يأتي من قليل! طبعآ علينا أن لا نعول كثيرآ على حدوث ذلك بين أميريكا و إسرائيل في القريب العاجل, و لكن علينا إستغلاله أحسن إستغلال, لأن أميريكا في النهاية كما تفضلت لها مصالح, و الجيل الأميريكي الجديد و القيادات الأميريكية الجديدة لا يهمها في النهاية مع من تتعاون! بل يهمها من يحقق مصالحها, و إذا رأت أميريكا أن إسرائيل لن تحقق المصالح الأميريكية (و هذا قد يحدث على أرض الواقع من خلال معطيات معينة), من يدري قد ينفرط عقد هذا التحالف! علينا أن لا ننسى أن أميريكا هي من طلبت من مصر توجيه صفعة حرب أكتوبر 73 لإسرائيل لتنزل من عليائها!

    مقال جميل كالعادة.