الأزمة المالية الأردنية والأزمة اليونانية

تم نشره في الأربعاء 24 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

هناك وجه شبه بين ما يحدث في اليونان وما يحدث في الاردن. فالمسؤولين هنا يشددون على أن ما نعاني منه هو أزمة مالية وليس اقتصادية. وفي اليونان الموقف نفسه تقريبا، فلم تعانِ اليونان من مظاهر الأزمة الدولية الكبرى التي أطاحت ببنوك ومؤسسات وشركات، ودفعت النمو الى التراجع لمستويات سالبة في جميع الدول الأكثر تقدما، بينما جاءت أزمة اليونان لاحقا هذا العام، وهي أزمة مالية تتمثل بمديونية عالية وعجز فادح في الموازنة، لكن الأرقام عندهم أسوأ من عندنا؛ فمديونية الأردن وصلت الى 11 بليون دينار ومديونية اليونان تصل إلى 300 بليون يورو، والآن اليورو يساوي أقلّ قليلا من دينار والأزمة اليونانية متهمة بالمسؤولية عن تراجع اليورو. وقد لا تكون الأرقام المطلقة مناسبة للمقارنة بسبب الفارق بين حجم الاقتصادين فنتحدث بالنسب. مديونية الأردن تصل الى 60 % من الناتج المحلي الاجمالي وفي اليونان إلى 113 % ، وعجز الموازنة عندنا يصل الى 9 % من الناتج المحلي وفي اليونان الى 12.7 %،ولدينا تعهد بخفض العجز الى 6 % من الناتج المحلي وعندهم الى 8,7 %. وسيخفض الأردن موازنة هذا العام بمقدار بليون دينار عن موازنة العام الماضي ويعتزم اليونانيون تخفيضها بمقدار 15 بليون يورو.

لكن الفارق هنا أيضا كبير في ردود الفعل؛ فليس هناك ردود فعل تذكر عندنا بينما ثارت ردود فعل عاصفة من الاضرابات والمظاهرات في اليونان. ولا أجزم اذا كان السبب أن الاجراءات المتخذة عندهم كانت أكثر قسوة، لكن نحن إزاء واقع اجتماعي- سياسي مختلف تماما بين البلدين. ومن سوء حظ حكومة باباندريو الاشتراكية الحالية أنها ورثت هذا الوضع من حكومة اليمين السابقة، وهي تتحمل الآن ردود الفعل الساخطة من العمّال والفئات الشعبية.

داخل اليونان المتهم هو عضوية الاتحاد الأوروبي واليورو اللتين قادتا الى تضخم شديد وارتفاع في الاسعار وتفاقم في الانفاق، لكن أوروبا الغربية وخصوصا المانيا تتهم اليونان بسوء الادارة، والصحافة تتهم اليونانيين بأنهم مدّوا أرجلهم بأطول من لحافهم، ونصحوهم بأن يفيقوا أبكر للعمل كما يفعل الألمان. وقد اجتمعت قمّة أوروبية لبحث إنقاذ اليونان وستقدم مساعدات عاجلة محدودة لتسديد التزامات، لكن أساس الحلّ هو إجراءات تقشفية داخلية قاسية وطويلة.

الأردن ليس مضطرا لإجراءات بهذه القسوة، ويكتفي بحفظ المديونية تحت الحدّ الأقصى المسموح والذي وصلناه أي 60 % من الناتج المحلي، ويجب ان نكتفي بنسب متواضعة في الزيادة السنوية على الموازنة بعد التقليص الحادّ هذا العام، زيادة لا تتجاوز أو أقلّ من نسبة النمو التي ستبقى أيضا متواضعة، الا إذا هبّت رياح قويّة على الاقتصاد بفعل أحداث وتطورات خارجية، كما تعودنا أن يحصل كل بضع سنوات.  

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التغاضي عن رؤية الاشارة الحمراء (د محمد الصفدي)

    الأربعاء 24 آذار / مارس 2010.
    بادىء ذي بدء تحية محبة للكاتب المتميز جميل النمري وبعد, للوصول الي الهدف المنشود ساسلك طريقا مختصرة حتى لاتتشعب الافكار والسبل, اولا وباسلوب مبسط جدا فان الدين جلاب للمشاكل فهوذل في النهار وهم في الليل وهذاينطبق الى حد بعيد على الافراد والمؤسسات اعتمادا على نوعية العلاقة التي يرتبط بها الفرد بذاته وبمن حوله وان كان هذا المفهوم للدين لا ينطبق على نسبة معتبرة من بني البشر وللاسف , لذلك وما دامت هذه هي نواتج الدين فان هناك اشارة حمراء لا يجب تجاهلها.ثانيا اذا كان حدالامان لنسبة عجز الموازنة يجب ان يكون اقل من 3% من الناتج المحلي الاجمالي فمعنى ذالك ان هناك اشارة حمراء عند الوصول الى هذا الحد فلماذا يتم تجاوزها والوقوع فيما لاتحمد عقباه؟ قد يقول قائل بان هناك ظروف قاهره تستوجب اجتياز الاشارة الحمراء وهذا راي يمكن التحقق من مدى واقعيته ومع هذا فانا مع الجماعة التي لا تجتاز الاشارة الحمراء وتحترم كافة القوانين والانظمة والتي ما اوجدت الا لمصلحة الجميع
  • »في البحث عن دور: مدخل لتجاوز الأزمة المالية (رامي أبوعلي)

    الأربعاء 24 آذار / مارس 2010.
    أشكر الكاتب جميل النمري على مقالته "الأزمة المالية الأردنية المالية والأزمة اليونانية" المنشورة في جريدة الغد بتاريخ 24/03/2010 على طرحه لهذا الموضوع الهام بشكل يربط النسب الإقتصادية التي قادت اليونان إلى أسوأ أزمة إقتصادية عالمية في العام 2010 وتهدد بإنسحاب تأثيراتها على أحد أهم ثلاثة مراكز إقتصادية عالمية والمقصود هنا الإتحاد الأوروبي.
    لحسن الحظ فإن اليونان ليست شريكاً تجارياً ولا مستثمراً مهماً في الأردن، لذا ندعو لإقتصادهم بالتعافي، وأن لا يتعرض إقتصاد الأردن إلى هزة مشابهة، وعلى إفتراض أن الناتج المحلي للعام 2009 إقترب من الرقم 16 بليون دينار أردني، فإن نسبة عجز الموازنة العامة إلى إجمالي الناتج المحلي وصلت إلى 6.1% وهو ضعف حد الأمان المتعارف عليه (3%)، والعام 2010 قد يصل بهذه النسبة إلى 7% (بعد المساعدات)، وهي ذات النسبة التي وصلت لها اليونان!
    كما اليونان تماماً، سياستنا النقدية معطلة من خلال سياسة تثبيت سعر صرف العملة الوطنية وربطها بالدولار الأمريكي بإعتباره عملة الملاذ الآمن، ومرة أخرى كما اليونان لا تملك الحكومة المركزية سوى أدوات مالية من خلال إستحداث ورفع الضرائب، ومحاولة ترشيد النفقات ما أمكن، وإزالة كافة أشكال الدعم الباقية على ندرتها والهدف واضح أن لا ترتفع نسبة العجز في الموازنة إلى إجمالي الناتج المحلي عن 5% على أكثر تقدير.
    النسبة الأخرى التي تجدر الإشارة إليها هي نسبة المديونية العامة، فالحكومة الأردنية في حالة إنتهاك لقانون الدين العام منذ العام 2009، وقد تكون نسبة المديونية إلى إجمالي الناتج المحلي لم تصل إلى تلك المستويات المحتسبة في اليونان، إلا أن ذلك مؤشر خطر، بل والأكثر ضرراً في ترديد أحد أهم المنظرين الإقتصاديين في الأردن في أن القانون حدد سقفاً لنسبة المديونية إلى إجمالي الناتج المحلي، لكن ذات القانون لم يحدد أية عقوبات في حال إنتهاك الحكومة لهذه النسبة!!
    من المهم جداً أن لا تبقى الحكومات المتعاقبة تنتظر كرم الجيران والأصدقاء، فالبلاد مرت خلال عقدي الثمانينات والتسعينات بسنوات محدودة كان إنعدام الكرم فيها في التوقيت غير الصحيح، لذا فإنه وبالتوازي مع البحث عن الكرام، فإنه من الضرورة بمكان الترشيد الذي لن يكون له تأثير عميق على المدى القصير، بالإضافة إلى البحث عن دور يساهم في منح عقد قادم من الإنتعاش يسمح خلالها لأجندة وطنية تقوم على قطاع عام رشيق ونفقات جارية مقبولة، وبالتالي قدرة البلاد على تجاوز شبح التعامل مع صندوق النقد الدولي مستقبلاً.