لماذا ينجح الإسلاميون الأتراك؟

تم نشره في الثلاثاء 9 آذار / مارس 2010. 03:00 صباحاً

 

أعزائي القراء، أريد أن أبتعد بكم اليوم عن الشأن الداخلي المصري ومشهد الحراك السياسي الراهن الذي توافقنا جميعا على أهميته، وأعرض عليكم بعض الملاحظات حول حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا التي زرتها منذ أيام للمشاركة في ورشة عمل كان موضوعها تحديات التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط.

والواقع أن أول ما يلفت النظر في خبرة حزب العدالة والتنمية الإسلامي هو نجاحاته المتتالية في إدارة الشأن الداخلي والخارجي. نجحت حكومة الحزب في تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة تراوحت بين 7 و10 بالمائة خلال الأعوام القليلة الماضية، وفرضت سياسيا لحظة استقرار ممتدة داخل مؤسسات الدولة تستند إلى الآليات والإجراءات الديمقراطية على الرغم من عمق التحديات التي واجهها العدالة والتنمية من علمانيي الدولة التركية، وأخطرها المحاولة الانقلابية من جانب بعض القيادات العسكرية التي كشف عنها مؤخرا. كذلك تطور الدور الإقليمي لتركيا، وبالرغم من التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط منذ غزو العراق 2003، ليتجاوز مجرد الاستمرار في التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة وأوروبا وينفتح باقتدار على علاقات تعاون وصداقة شاملة لا تفرق بين حلفاء وأعداء الغرب وتوظف أدوات الدبلوماسية التركية لإدارة جهود الوساطة والتفاوض إن بين سورية وإسرائيل أو بين السلطة والفصائل الفلسطينية أو بين إيران والغرب. فما هي عوامل إجادة إسلاميي العدالة والتنمية في ظل ظروف داخلية وإقليمية صعبة وكيف تسنى لهم النجاح في حين يخفق نظراؤهم من أحزاب وحركات إسلامية عربية إخفاقا ذريعا؟ كيف تمكن العدالة والتنمية ببرامجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالخروج بتركيا من الأزمات الخانقة التي تعرضت لها طوال الثمانينيات والتسعينيات وما هو سر تميزه في إدارة الشأن الإقليمي والخارجي؟

أحسب أننا هنا أمام ثلاثة عوامل رئيسية تستحق أن نقف أمام مضامينها ودلالاتها. يتمثل العامل الأول في سماح المنظومة السياسية التركية للقوى الإسلامية بالمشاركة بصورة مستمرة ومستقرة في تدبير الشأن العام خلال العقود الماضية وباستثناء لحظات انقطاع قصيرة نسبياً ارتبطت بتدخلات سافرة من جانب المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية. أما العامل الثاني، وهو في الحالة التركية يتعلق بالطابع العلماني للدولة ودور المؤسسة العسكرية كضمانة نهائية لاستمراره، فيأخذنا إلى إيجابية الدمج التدرجي للحركات الإسلامية في السياسة في سياق من القيود الدستورية والقانونية والحركية المفروضة عليها بهدف دفعها نحو الالتزام بقواعد اللعبة وحثها على تعميق مساحات المرونة في الخطاب والممارسة ومن ثم تحويلها من قوى رافضة للمنظومة السياسية إلى قابلة لها وفاعلة من خلالها، إنْ كمعارضات شرعية أو كأطراف حاكمة. ثالثا، تدلل خبرة العدالة والتنمية على صيرورة تطور ونضج ذاتي للحركات الإسلامية يدفعها لاستبدال اهتمامها المفرط بالقضايا الأيديولوجية بتركيز على صناعة السياسات العامة وتطبيقها بكفاءة عندما تتجاوز مشاركتها في السياسة حدود التمثيل في السلطة التشريعية نحو تحمل مسؤولية الحكم والإدارة إنْ على المستوى الوطني أو المحلي.

لم يتوقع أكثر المتفائلين لدى تشكيل العدالة والتنمية لحكومته الأولى في 2002 النجاحات المبهرة التي حققها الحزب داخلياً وخارجياً خلال السنوات الماضية. ولم يثق سوى القليل من المراقبين، وعلى الرغم من السجل الإيجابي لأردوغان ورفاقه في إدارة شؤون العديد من البلديات، في قدرتهم على تجاوز خبرة التسعينيات الفاشلة لحكومة نجم الدين أربكان الذي خبا نجمه وتقلص لوجود حزبي هامشي يرفع يافطة حزب السعادة.

اليوم يتميز حزب العدالة والتنمية بهوية بينية واضحة تجمع على صعيدي الخطاب الجماهيري والممارسة السياسية بين احترام علمانية الدولة التركية والتزام الليبرالية الاقتصادية وديناميكيات السوق الحر من جهة، وبين رؤى اجتماعية وثقافية وأخلاقية محافظة تعود بالأساس إلى مرجعية الحزب الإسلامية من جهة أخرى. هنا مكن تعدد طبقات هوية العدالة والتنمية، على نقيض أحزاب إسلامية أخرى في تركيا وعلى خلاف مجمل حالات الأحزاب والحركات الإسلامية العربية، من المشاركة في الحياة العامة ببرجماتية وتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، بداية على المستوى المحلي (البلديات) ثم على المستوى الوطني من خلال تشكيل الحكومة منذ عام 2002. نعم لحزب العدالة والتنمية التركي مرجعية إسلامية، إلا أنها ليست مرجعية نهائية شمولية تسمو على كل ما عداها وتهمشه. لا يرفع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ورفاقه شعارات من شاكلة "الإسلام هو الحل"، يؤكد باستمرار على أن الرؤى المستندة إلى الموروث الديني وقيمه الأساسية لا تقدم سوى بعض الإجابات عن بعض تحديات المجتمع والسياسة المعاصرة.

الأهم من ذلك هو أن نجاح العدالة والتنمية لا يقتصر على تدبير الشأن العام فقط، بل يتخطاه لصياغة أنموذج للفعل الحركي الإسلامي منفتح على الحضارة الإنسانية ومتواصل مع الآخر (غير الإسلامي، العلماني، الغربي) ومؤطر في سياق هوية مدنية جلية تنطلق من احترام قيم المواطنة من دون مساومة ولا تقبل الخلط بين السياسة بكونها ممارسة سلمية والفعل العنفي بغض النظر عن الخطابات التبريرية التي قد تصاحب مثل هذا الفعل. هي إذاً الديمقراطية كقيم وممارسات التي تشكل المرجعية النهائية للإسلاميين الأتراك وتجعل من دورهم السياسي بمثابة ضمانة كبرى لاستمرارها وليس تهديدا بالانقلاب عليها، بل والانتصار لها حين يتآمر عليها آخرون.

هل لدينا في المجتمعات العربية حالات مشابهة أو على الأقل إرهاصات أولية لها؟ الإجابة بإيجاز هي لا.

التعليق