لماذا نجح القطاع الخاص في الطب وفشل في التعليم العالي؟!

تم نشره في الخميس 4 آذار / مارس 2010. 02:00 صباحاً

استطاع الأردن أن يحقق إنجازا تنمويا في مجالي الطب والتعليم قل نظيره في العالم العربي في العقود الماضية. كان عنوان هذا الانجاز القطاع العام.

لم تأت هذه الانجازات بالصدفة، بل كانت ملهمة وموجهة بوعي القيادة ومثابرة الأردنيين. فكانت المدينة الطبية والجامعة الأردنية بداية قصة النجاح الأردني في هذا المجال بامتياز حيث استقطب كل منهما خيرة الكفاءات الأردنية، ثم حدث توسع في القطاع العام وازداد عدد المستشفيات والجامعات العامة في مختلف مناطق المملكة.

نتيجة للنمو السكاني وسياسات التحول إلى القطاع الخاص، وبعد تخمة القطاع العام في هذين المجالين، وعدم قدرته على سد الحاجات المستجدة، طالت هذه الموجة المستشفيات والجامعات علما بأن القطاع الخاص في الطب كان دوما موجودا، لكنه أحرز في هذين المجالين وما يزال توسعا كبيرا وغير مسبوق.

لا يختلف اثنان على أن تجربة القطاع الخاص في المجال الطبي في الأردن هي تجربة متميزة (على الرغم من الارتفاع المبالغ فيه للأسعار). بينما في المجمل لم تكن تجربة التعليم العالي في القطاع الخاص ناجحة، إن لم تكن قد فشلت بالفعل في تحقيق انجازات علمية مماثلة للانجازات التي حصلت في القطاع الطبي.

ورغم أن التعليم الجامعي في القطاع العام شهد تراجعا كبيرا كان يمكن أن يشكل فرصة للقطاع الخاص لأن يميز نفسه إلا أن ذلك لم يحدث. والسؤال (هنا) لماذا؟

القطاع الخاص في مجال الصحة يقدم خدمة مباشرة مرتبطة بصحة وحياة الإنسان وإذا لم يحرز تقدما، فسوف ينعكس ذلك مباشرة على المستوى الصحي للمواطنين. فمعايير النجاح في المجال الطبي أوضح وأسهل قياسا.

في المقابل، فإن التعليم الجامعي لا يحظى بالأهمية والخطورة نفسها لمتلقي الخدمة، حيث تنتهي هذه الخدمة بالحصول على شهادة، أي أن الشهادة والتخرج هما مقياس النجاح لكل من الطالب والمؤسسة التعليمية.

السبب الثاني، أن القطاع الخاص في المجال الطبي من الناحية المهنية استند في بنائه على كفاءات فذة، جاءت معظمها من القطاع العام، بخاصة من مدينة الحسين الطبية ومستشفى الجامعة الأردنية، لا بل إن البعض منهم حقق انجازات طبية متميزة، عندما انتقلوا إلى القطاع الخاص ونقلوا معهم هذه الخبرة.

لم يكن الوضع مماثلا في التعليم الخاص، في كثير من الأحيان أنشئت الجامعات من قبل مستثمرين ليس لديهم أية خبرة علمية أو تعليمية، وأضحت الجامعات خيارا استثماريا، وفشلت في استقطاب الكفاءات الموجودة في القطاع العام، ولم تستطع ترسيخ التقاليد الأكاديمية والعلمية والمؤسسية المعروفة، ولا تحظى الإدارات المتعاقبة بتحقيق الاستقلالية المطلوبة والضرورية لعمل المؤسسات الأكاديمية والتعليمية، فأصبحت أغلب الجامعات الخاصة مكانا للطلبة الأقل انجازا والأكثر قدرة على دفع الرسوم وليس للمتميزين.

ثمة تفاوت بين جامعة وأخرى، لكن الصورة العامة لا تتغير. بالطبع هذا لا يعني أن القطاع الخاص في المجال الصحي يخلو من دافع الربح أو الاستغلال أحيانا.

العامل الثالث، الذي قد ساهم في تميز القطاع الخاص الطبي، هو المراقبة والمحاسبة والمتابعة، سواء كان ذلك من قبل الحكومة أم من قبل النقابات الطبية المعنية، التي لعبت دورا مزدوجا في تحقيق الخدمة الجيدة من جانب والدفاع عن حقوق الأطباء والعاملين في المجال الصحي من جانب آخر، وهو ما يكاد أن يغيب في التعليم الجامعي الخاص إذ لا توجد معايير وضبط للجودة (باستثناء شروط الاعتماد العامة والخاصة وهي في الشكل وليس في المضمون)، ولا يوجد إطار يرعى مصالح الأساتذة في الجامعات الخاصة، التي تبقى الحلقة الأضعف في العملية التعليمية، بعكس الأطباء الذين يشكلون الحلقة الأقوى في القطاع الطبي.

musa.shtewi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القطاع الطبي الخاص نجح بالأحلام (د. آمال السيد)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    مع احترامي لك د. شتيوي إلا أن القطاع الطبي الخاص لا يختلف حاله عن حال الأمة كلها والذي لا يسر لا عدو ولا صديق فالفساد ينخره حتى العظم والقوي يأكل فيه الضعيف والغلبة فيه للواسطة وليس للعلم .... ألا ترى أن خيرة شبابنامهاجرون؟ ونحن الذين عدنابدافع الحنين نبحث عن غربة جديدة قبل أن نصاب بالجلطة
    الأفضل أن يطلق عليه: قطاع العقارات والسمسرة الطبي...
  • »ما هو المقياس؟؟ (أردنية)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    ما هو المقياس الذي اعتمد عليه الكاتب لقياس مدى نجاح التعليم العالي في القطاع الخاص والطب؟؟ إذا كان المقياس مستوى تحقيق الأرباح، فلا أظن أن التعليم الخاص قد فشل. أما إذا كان المقياس هو كفاءة الخريجين فالأمر بسيط. فشل القطاع الخاص في التعليم العالي لأنه ببساطة الجامعات الخاصة هي الخيار الثاني للطلاب الأقل تميزاً (وسأقول المعظم وليس الجميع) الذين لم يحصلوا على مقعد في الجامعات الحكومية بسبب تدني علاماتهم، بينما أن القطاع الطبي الخاص نجح لأنه لا بد له من أن ينجح كي يستمر. أي بعبارة بسيطة فيه علاج ممتاز فيه أرباح. أما بالنسبة للتعليم فالطالب الذي لم يحصل على مقعد في الجامعات الحكومية مضطر أن يقبل على القطاع الخاص لأنه ليس هناك أي خيار آخر أمامه والحصول على شهادة جامعية مهم جداً بالنسبة للغالبية.
  • »understandig (mohammad)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    any thing , if rightly and correctly understood gives us a right yield , actions and reactions were mother tongue is used usually lead to more productivity ./ma
  • »مقال مليء بالمغالطات (خالد السلايمة)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    أخي الكاتب,

    مقالك مليء بالمغالطات و إليك رأي في هذا الموضوع الهام

    1) أهم سبب لنجاح القطاع الخاص الطبي الأردني هو الإستقرار السياسي و الأمني. هذا الإستقرار جذب الكفاءات الطبية الأردنية المتميزة خريجة الولايات المتحدة و بريطانيا و ألمانيا و دول أوروبية أخرى و عادت هذه الكفاءات إلى الاردن في الستينات و السبعينات و الثمانينات. و إعتقدت هذه الكفاءات إن مؤسسات القطاع العام قادرة على تحقيق الطموح و لكن مع الأسف إن مؤسسات القطاع العام غير قادرة على تحقيق أدنى الطموح المادي و حتى المهني. لذلك هربت (طفشت) هذه الكفاءات المتميزة إلى القطاع الخاص في ثمانينات القرن الماضي. و بما أن القطاع الخاص لا يوجد فيه أنك إبن فلان أو علنتان بل على الطبيب المتميز أن يشمر عن ساعديه و يعمل و ينتج و كل ما تعمل أكثر تحصل على مردود أكثر. أضف إلى ذلك أن القطاع الخاص فيه سرعة في إتخاذ القرار فيما يخص التحديث في المؤسسة على عكس مؤسسات القطاع العام. بالخلاصة الأمن و الإستقرار و الدخل المادي الجيد و الديناميكية في إتخاذ القرار ميز القطاع الطبي الخاص. و القطاع العام لم و لن يستطيع "المحافظة" على الكفاءات الطبية المتميزة.

    2) تفضلت حضرتك أن هناك إرتفاع مبالغ فيه في أسعار القطاع الطبي الخاص في الأردن! إسمح لي أن أخالفك و إليك الدليل. واحد من أهم أسباب إنتعاش السياحة العلاجية في الأردن هو رخص الخدمة الطبية المقدمة في الأردن مقارنة مع أقرب المنافسين لنا عربيآ. أعطيك مثال, ثمن عملية إغلاق فتحة بين البطينين جراحيآ في الأردن هي 10000 دولار أميريكي بينما التكلفة في بيروت هي 20000 دولار! كشفية الطبيب في الأردن حسب تسعيرة النقابة هي 20 دينار بينما في لبنان هي 100 دولار!ّ ثمن عمل صورة تلفزيونية للقلب في عمان هي 50 دينار أو 60 بينما في الرياض هي 200 و أحيانآ 300 دينار! طبعآ أنا أقارن بيننا و بين الدول التي تنافسنا طبيآ و لا أتحدث عن الدول التي لا تنافسنا مثل سوريا أو مصر أو اليمن أو السودان!!
    مقارنة بسيطة بين الأردن و الولايات المتحدة: القسطرة التشخيصية (و ليست العلاجية) في أميريكا تكلف 5000 دولار و في الأردن 700 دولار! كشفية الطبيب في أميريكا 200 دولار تقريبآ و عندنا 30 دولار! كلفة الصورة التلفزيونية للقلب في أميريكا هي 1500 دولار و في عمان 80 دولار!! و جاي تقول لي مبالغ فيها!!
    3) أنا أخالفك أن الرقابة و المحاسبة و المتابعة هي التي ساهمت في تحسين القطاع الخاص الطبي!! أنا أعتقد أن الرقابة و المحاسبة ضعيفة في الأردن كثيرآ و هي بحاجة إلى التحسين و الضبط بشكل أكبر. لو كانت الرقابة و المحاسبة و المتابعة أفضل مما عليه الآن لوصلنا في القطاع الخاص إلى مستويات أعلى و بدأت الدول الأوروبية ببعث المرضى لنا!
  • »السعي وراء الربح (علي)

    الخميس 4 آذار / مارس 2010.
    المشكلة الكبرى في الجامعات الخاصة يا دكتور موسى هي السعي وراء الربح، ووفق هذا المفهوم يصبح يصبح الطالب مجرد زبون على الجامعة ان تقنعه بامكانية الحصول على الشهادة باقل جهد ممكن، وعندها على الملاك ان يضغطوا على الاساتذة بكل الطرق لكي يكون التدريس مناسب للطالب، فعلى المدرس ان ينزل لمستوى الطالب بدل من ان يرتقي المدرس بالطالب للاعلى. وكل كوارث ما يجري سنشاهدها في المستقبل، مع انه في الوقت الحالي باتت تنعكس على سمعة الخريج الاردني في الدول الخليجية. لا يمكن تطوير التعليم الخاص إلا بتحويل هذه الشركات الربحية الى جمعيات غير ربحية بحيث يتم اعادة تدوير المال داخل العملية التعليمية وبهذا يمكن الارتقاء بالجامعات الخاصة بل انها في ذلك الوقت ستكون منافس حقيقي للتعليم الجامعي الحكومي بل انه من الممكن ان تتتفوق عليه بجدارة، لانها في تلك الحالة ستسخر المال المكتسب في خدمة العلم والبحث العلمي والذي هو اساس تطور اي جامعة.