د.باسم الطويسي

بحوث علمية محرمة

تم نشره في الخميس 25 شباط / فبراير 2010. 03:00 صباحاً

في نهاية الشهر الماضي شاركتُ في مؤتمر علمي نظمته جامعة برلين الحرة بعنوان "وكلاء التغيير في المجال الأوروبي – المتوسطي: التحولات من منظور محلي". الإشارة التي تستحق التوقف بأن المؤتمر الذي ضم نحو (20) باحثاً من بينهم باحثان أردنيان قد ركز جُل اهتمامه على تقديم تجارب ناجحة وأخرى فاشلة من الأردن، ورؤية علمية نقدية حول التحولات الاقتصادية – الاجتماعية والسياسية التي شهدها الأردن في العقد الأخير.

حيث قدمت في المؤتمر ثمانية بحوث علمية تناولت تحولات وتجارب من الأردن وثلاثة بحوث عن تحولات وتجارب من مصر وثلاثة بحوث أخرى عن لبنان وبحوث متفرقة من دول أخرى وبحوث عامة، ما يؤكد استمرار اهتمام الباحثين الغربيين في رصد ومتابعة التحولات الأردنية أكثر من أي مكان آخر في الشرق الأوسط، وهذا الأمر بالمناسبة ليس وليد اليوم بل يعود إلى عقود طويلة.

الأمر الآخر المهم الذي يستدعيه هذا التركيز البحثي تلك الروح العملية الإيجابية نسبيا  التي لا يمكن أن نصفها من منظور أكاديمي بأكثر أو أقل من ذلك، لما تتمتع به معظم البحوث الحديثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تكتب عن الأردن من قبل باحثين غربيين من موضوعية وروح نقدية إيجابية تفتقدها للأسف معظم البحوث التي يكتبها الأكاديميون الأردنيون عبر مجلاتهم  ودورياتهم "العلمية المحكمة" التي لا يقرأها أحد!

يكشف استطلاع سريع لما يكتب حول التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الأردن حجم الفجوة  بين ما نكتب نحن وما يكتبون حولنا، يبدو ذلك فيما نحيط به أنفسنا من رقابة ذاتية صارمة لا تقوى على خدمة المجتمع والدولة بروح نقدية إيجابية، هذه الروح العلمية المسؤولة التي تحتاجها الدولة أيما حاجة لأنها دليل الدولة الراشدة وعقلها الحقيقي وهي الروح التي تستند إليها حينما تتشكل كتلة علمية تاريخية ملتزمة تمارس النقد العلمي الايجابي من منطلق حرصها على استمرار الدولة واستقراها.

هذه الكتلة هي عنصر قوة للدولة وهذا ما نفتقده للأسف، ثمة قائمة طويلة من البحوث العلمية التي تحتاج جرأة أكاديمية عادية لا يقترب منها الباحثون الأردنيون ويمارسون رقابة ذاتية على أنفسهم إلى حد الحزن والأسى، بينما يتراكم حصاد الإنتاج العلمي في بحوث شكلية فارغة من المضمون المعرفي الذي ينتفع به الناس والمؤسسات والتنمية.

من بين الأمثلة الأخرى، في مؤتمر برلين ناقش كرستوفر باركر بجرأة نفتقدها ونغار منها الاقتصاد السياسي لتجربة العقبة الاقتصادية الخاصة، وكيف شكلت مجالاً سياسياً فرعياً للدولة وكيف شكلت الحاضنة الأساسية للأفكار الليبرالية الجديدة في الأردن ومثالاً لقوة سياسية واقتصادية خارج أو بجانب الدولة، كما هو الحال تناول باسكال ديبروين تجربة العقبة الخاصة في تحويل الرمال إلى ذهب عبر التعمق في تفاصيل مفارقة الأحوال التنموية لمنطقة حي الشلالة في العقبة، بينما ذهبت مليكا بوزيان إلى مقارنة بين ممارسات السياسة المحلية بين مدينتي معان وسكان جبل التاج في عمان في بحثها المعنون (الدولة من الأسفل)، فيما راجعت الباحثة كاترين لينر موضوع التنمية والمنظمات غير الحكومية من خلال تقييم تجربة الجمعية الملكية لحماية الطبيعة في السياحة البيئية في مشروع قرية ضانا والمنظور السياسي الذي حكم هذه التجربة والاعتبارات التي حددت مسار المشروع وعناصره.

هذه الأمثلة وغيرها العشرات من البحوث التي تنال قضايا وظواهر أردنية في المجالات الاقتصادية الاجتماعية والسياسية يمكن أن تحمل مضامين علمية أكثر كفاءة وأقرب للأولويات التنموية لو وجدت جرأة بحثية من الباحثين الأردنيين الذين من المفترض أن يكونوا هم الأقرب للمشهد المحلي والأكثر قدرة  في  الوصول إلى المعلومات وتحويلها إلى معرفة علمية.

وكما تفعل وسائل الإعلام أحياناً يلجـأ المجتمع الأكاديمي إلى إحاطة نفسه بسياج وهمي من الوقار الكاذب أو الخوف المقنع وغير المبرر تحت سياط من الرقابة الذاتية الوهمية ما يحرم الدولة الأردنية والمجتمع الأردني معاً من معرفة نحن بأمس الحاجة إليها فعلياً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بحث تقليدي وغير تقليدي (khlaifat)

    الخميس 25 شباط / فبراير 2010.
    عزيزي كل المسالة متعلقة باسلوب البحث اعلمي المتبع في مثل هذه الاوراق التي ارت اليها واعتقد دون ان اقراها انها تتبع اسلوب " الابحاث الاجتمعية النوعية" -qualitative methodologies) وهي تحتاج الى قوة لغة"بالتاكيد انجليزية" ولكن حتى لو كانت بالعربية تحتاج الى نمط لغوي ليس سهلا. ما يجري هو ميل الباحثين الى اسلوب تقليدي غير منتج علميا "في الاطار النفس-الاجتماعي" وذلك بسبب ان اي بحث مهما كان يؤدي الى الغرض "وهو الترفيع". الاسلوب الغير تقليدي يحتاج الى تدريب من قبل خبراء من خلال الاشراف على الرسائل الجامعية او post doctoral programs. عندما نهتم اكثر بعلم الاجتماع والعلوم الاجتماعية كلها نصبح قادرين تغيير طريقتنا في البحث وحل المشاكل