لمّا شَرَدنا من البلاد

تم نشره في السبت 20 شباط / فبراير 2010. 03:00 صباحاً

وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ " ... تظلّ هذه الآية من سورة (يس) تذكّرني به، حين كنتُ أصحو ليلاً، من رجفة الغطاء الخفيف، والعائلة كلها تنام في غرفةٍ واحدة، فأجده جالساً يقرأ القرآن بصوته المترقّق المتهدج، وهو يضع لحافه على كتفيه، ويغالب دمع الخشوع، .. فأظلّ منصتاً له، ينتابني ورعٌ لا أعرفُ وأنا الطفل كيف أبرهنه، فأروحُ أحمل بطانيةً أضيفها على جسده النحيل، فيبتسمُ لي من خلف النظّارة المكبّرة، ويظلّ يقرأ .. وأظلّ أنتظر الآية الأخيرة من سورة (تبارك) التي ما إن أسمعها ( أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماءٍ معين ) حتى أعرف أنه بعدها، كما كلّ ليلةٍ، سيطوي كتابه، ويقوم ينفخ على صوبة الكاز يطفئها .. وينام !

كان أباً عادياً، ليس أكثر .. ، لكنني أتحسس الآن اسمه في دفتر العائلة فتصاب كفّي بالوحشة، وأنني معلّق في الفراغ بلا أحد، وانني صرتُ وحيداً مثل ... ولدٍ بلا أب !!

كان يلزمني اسمه، وتلزمني ضحكته التي لم أفهم كيف ولدت له فجأة في شيخوخته .. لم أره يضحك أبداً في خمسينيات أو ستينيات عمره، .. كان ثمة الكثير الذي يؤرقه، وحينَ أنزلَ حِمله الذي أنقض ظهره، صار يضحك بشهيةِ .. مبالغ فيها أحياناً !

طيبٌ، طيب كطفل .. ومع أنه سلّم قهراً بأن الإحتلال أخذ أريحا، وأغلق مزرعته على دجاجاته في "مخيم عقبة جبر"، لكنه يظلّ يتحدث عن تلك الدجاجات كما لو أنهن الآن بعد 43 سنة ما زلن يتراكضن هناك بمناقير مفتوحة ينتظرن كمشة العلف من يده !

ربما كان يواجه الإقتلاع والنسيان.. بالتذكر .

***

.. ويقول لي : لمّا شَرَدنا من البلاد مشياً إلى عمان، كانت الطائرات العدوّة تحلّق فوقنا، وكنتَ انتَ طفلاً نزقاً، بكاؤك يفضحنا، فخبأتك تحت جسر صغيرٍ مهجور، ومشينا من دونك، (يضحك ثم يكمل لي مبرراَ) خشيتُ ان تسمع الطائرات صوت بكائك فتدلّها علينا وتقصفنا، .. لكن بكاء أمك جعلني أعود لاحملك، لتواصل العائلة رحلتها الماشية، لنصل الى "عيرا ويرقا" ليلاً !

***

كان أباً عادياً، .. ليس اكثر، لكنني حين أمدّ الآن عينيّ إلى "مخيم الوحدات" الذي تمسّك به وكان يرفض أن ينام ولو ليلةً واحدةً خارجه، أراه وقد صار أرضاً غريبة عَلَيّ، ما عدتُ أحسّه شقيقي !

أفهم الآن رجلا قضى نصف عمره بائعاً جوّالاً يبحث عن الخبز الحاف وراحة البال، ويحثّ أولاده ان لا يقربوا السياسة .. كان يخافُ على أولاده كأي مسافرٍغريب، ويخاف على حاجياته، فقضى أكثر من أربعين سنة يربّي الحمام، ويمنعه أن يطير .. كان يخشى دائماً ان يخرج الحمامُ صباحاً فلا يعود للبيت !

كان طيباً، و .. يُضحكني من قلبي حين يظّل يسألني إن كان النواب قد أقرّوا (قانون المالكين والمستأجرين)، ومرّة طلب مني بمنتهى الجدية ان آخذه للبرلمان ليحضر نقاشات القانون .. لأنه يريد دائماً أن يكون صاحب حجّة قويّة مع الأرملة المستأجرة عنده، غرفةً صغيرةً مليئةً برائحة الرطوبة، بثمانية عشر ديناراً في الشهر مع الماء والكهرباء !!

***

كان طيباً، كأي أب، أتذكر الآن تفاصيله الصغيرة: كيف يضمني لصدره النحيل في الملجأ والحرب تأكل الأولاد في الشارع، الراديو الذي يقضي النهار يعبث ببطارياته ليسمع الاخبار، هاجسه الدائم أن يظلّ يتفقد (قواشين الأرض) كأنه سيعود غداً، شغفه بمباريات محمد علي كلاي، وحرصه ان أقرا له وصفة أي دواء كاملة قبل أن يتناوله، ثم يسجل بقلمه الرصاص في دفتره الكبير ملاحظاته على مكونات الدواء وأعراضه الجانبية ليعود لها لاحقاً، وحين صار في آخر العمر يكتب عدد الركعات على ورقة ويلصقها على الحائط أمامه وهو يصلي .. ليتذكر !

***

 

أقول لكم الحقّ ؟

طيلة أكثر من أربعين سنة، لم أشعر أنني لاجىء تماماً، وبشكل بالغ الألم، إلا مرّتين: حين دسست أمي، وأبي، في جارورين من ترابٍ ليس لي، وتساءلتُ يومها من يقول لتلك الأرملة الـ كان اسمها "الرملة"، الـمتصابية الآن بفستانٍ عبريّ، ولا تردّ على "رقمٍ لا تعرفه": كم يتوق الواحد احياناً لبلدٍ تزغرد في عرسه، وتلطم في جنازته، ويبوس كفّها صباح العيد

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وحشة (اسامة المجالي)

    السبت 4 حزيران / يونيو 2016.
    الان قرأت مقالك البسيط وانا تسحرني البساطة الممتنعة ويسحرني الناس العاديين والحقيقيين في آن واحد ، اشكر لك بوحك الجميل واقول لك ان الاردن هو فلسطين وفلسطين هي الاردن وانتم لستم غرباء هنا بل اهل واخوة واحباء .. رحم الله والديك
  • »ابكيتني (معتصم)

    الأربعاء 15 أيار / مايو 2013.
    لماذا يا استاذ ابراهيم تصر على ان تبكيني في كل شي اقرأه لك ؟!
    كتابه جميله و مؤلمه و رحم الله والديك
  • »الله يرحمهم (محمد ابو صليح)

    الخميس 12 نيسان / أبريل 2012.
    مقال رائع استاذ ابراهيم , سأعلق على نقطتين كانتا بالنسبة لي هما الاكثر وضوحاً . كلمة "شردنا" التي اُستخدمت في وصف الهجرة القصرية تؤكد اننا وُهبنا بلاداً لم نستطع الحفاظ عليها . ولكن جيلاً من القادمين سيُعيدها ولو بعد حين .
    ووصفك لجارورين من تراب ليس لي ! يُعيد التساؤل عن تعريف الوطن وهل نحن ارقام تعيش في بلاد الغير ام جزء لا يتجزأ من مجتمع وارض نتفاعل معه سلباً ايجاباً .
    والله يقرب عودتنا .
  • »رحم الله والديك يا إبراهيم (خالد السلايمة)

    السبت 20 شباط / فبراير 2010.
    أسعد الله أوقاتك أخي العزيز إبراهيم

    أعذرني أني قرأت مقالك متأخرآ و علقت عليه في وقت لاحق و لكن اليوم السبت و كان يومآ غير عاديآ أبدآ

    و الله إنك أبكيتني يا إبراهيم. أبكيتني على فقدانك لوالدك و أبكيتني على الهجرة القسرية و أبكيتني على الحال الذي نحن فيه. و لكن و دومآ أقولها أن كل جيل يأتي يجب أن ينهض أكثر من الجيل الذي قبله. كل جيل يأتي يجب أن يقدم لمن بعده و يقدم للأرض أكثر من الجيل الذي يسبقه و هذه سنة الحياة

    الأب يظل يحمل هم الأولاد حتى و إن أصبحوا فوق الأربعين و الخمسين من العمر. إنها سنة الحياة.

    أمتعتنا و أبكيتنا يا إبراهيم في مقالك.

    رحم الله والديك و أسكنهما فسيح جناته. تحياتي من عمان
  • »يا رب (عبسي)

    السبت 20 شباط / فبراير 2010.
    الله يرحمهم ويتغمدهم برحمتو، الان وانا بعيد عن اهلي عن ابي وامي ورغم انني لا ابعد بالطائرة 3 ساعات ورغم الهاتف اليومي، اندم في احيان كثيرة على الاوقات التي اضعتها في الصبا وانا لا اجلس معهم واتمنى ان اعود لعمان لاراهم كل يوم او كلما استطعت.
    في الغربة تشتاق لكثير من الاشياء ولكن تشتاق اكثر للاب القوي الذي سحيميك من اي شىء وللام الحنون التي يهمها ان تغديك وتعشيك وتفطرك، اليوم الذي ذهب لن يعود، الحب ومن ثم الزواج والعمل ذو الراتب الجيد في الغربة الذي يقيك ان تذهب للوالدة في اخر الشهر لتطلب مائة ليرة لاجل غير معلوم ، كل هذا وبعد التجربة لا يساوي ان تكون بقرب ابوك وامك خصوصا في كبرتهما، احمد الله اني لم اكن مشاكسا ولم أجرجر والدي للمخافر او كنت ذي سمعو سيئة ولكن اندم على ايام مضت ولم اكن اقدر انني سأفتقد ان يصحيني ابي على صلاة الفجر وافتقد ان اصحو صباحا للعمل فأجدهما ينتظرانني على الفطور رغم تقاعدهما، افتقد طعم النسكافية التي تصنعها امي وتساؤل ابي عن اي ساعة روحت بالأمس رغم انني كنت قد جاوزت عقدين وسبعة سنين، واذكر كيف كنت اخبره انتا خايف علي يابا ما انا ايام السكن ما كنتو تشوفوني اي ساعة بروح ويقول لي بكرة بتشوف.
    عندما جاء عقد العمل في الخارج كنت مبسوطا ولكني لم احسب انني انسان حساس فالانسان لا يحس بأهمية الشيء الا عندما يفقده .
  • »رائئئئئئع (samar)

    السبت 20 شباط / فبراير 2010.
    مقال رائع كتير استاذ جابر بس بيوجع وبيحزن اكتر
  • »احتجاج (دقمزة)

    السبت 20 شباط / فبراير 2010.
    ليش كلمة شردنا ليش مش هم اللي شردونا
    اسجل احتجاج على هذه الكلمة لانها غير جيدة بحق الشعب الفلسطيني
  • »تاريخ متكرر (غادة شحادة)

    السبت 20 شباط / فبراير 2010.
    اثار هذا المقال في نقسي الشجون واعاد الى ذاكرتي امنيات والدي بالعودة يوما رغم صغر سنه عند الخروج من قريتنا
    اعاد الى ذاكرتي احلامه وذكرياته في عقبة جبر وبيته الذي مازال قائما وشاهدا على تلك الفترة
    اعاد الى ذاكرتي كلامه عن اول قدومه الى عمان وهو في السابعة عشرة وافكاره متضاربة بين العالم الجديد القادم اليه واالعالم القديم القادم منه
    الى والدك رحمه الله والى والدي ابقاه الله وكل اللذين عاشوا حياتهم يحلمون بالعودة شكرا لكم فلقد ابقيتم الاحساس حيا ينتفس في قلوبنا
  • »لوالدك الرحمة والجنة ان شاء الله والبركة فيكم (نادر أحمد)

    السبت 20 شباط / فبراير 2010.
    أسأل الله أن يتغمد والدك برحمته ويسكنه فسيح جناته

    سردك للتفاصيل رائع جدا، فعلا أنك استاذ كبير
  • »ويحتفل الوجع داخلنا (ربى احمد)

    السبت 20 شباط / فبراير 2010.
    ...وجعك ملأ قلبي.. وعيناي دمعا.. وآهات اختنقت في صدري ..
    قدر مكتوب لنا ..فلتذرف اعيننا حزنا على من فقدنا
    "هم يموتون ذات يوم ..ويتروكوننا خلفهم نموت ذات حياة"
    فلن يملأ مكانهم احد ..الا سكينة يغدقها الرحمن في قلوبنا..

    ..فلم يميتنا الحنين والانين صمتا الا لتعودنا عليه همس حبيس بالقلوب فثمة حنين بداخلنا يشدنا الى الوراء .. فلا نستظيع ان نمارس نعمة البوح. ..وتظل احزاننا دفينة ..والانين يدوي بصمت مؤلم بدواخلنا...نبوح بانات موجعة تقتلنا دون ان يسمع انينها من يحيطوا بنا....
    الحزن بداخلك يا ابراهيم وطن داخله ملايين الهموم.
    فهل البكاء نافع هنا؟
  • »مؤثر (سوزان)

    السبت 20 شباط / فبراير 2010.
    كداجتك استاذ ابراهيم مؤثر رثاؤك
    رحم الله ابويك و اسكنهما فسيح جناته
    لا تحزن على جارورين من تراب ليسا لك ربما رزقهما الله ارض الجنة الخالدة

    (وحين صار في آخر العمر يكتب عدد الركعات على ورقة ويلصقها على الحائط أمامه وهو يصلي .. ليتذكر !)
    استوقتني هذه الجملة كثيرا كثيرا
    شكرا لك على هذا المقال الرائع
  • »رحمة الله عليهم (محمود البزور)

    السبت 20 شباط / فبراير 2010.
    مقال اكثر من رائع... رحم الله والديك و اسكنهم فسيح جناته