د.باسم الطويسي

"أمة في خطر": الزاوية الحرجة في "نتائج التوجيهي"

تم نشره في الخميس 11 شباط / فبراير 2010. 02:00 صباحاً

 

لم يستقل وزير التربية والتعليم ولم تصلنا إشارات لحركة تصحيحية قادمة في قطاع التعليم، ولا مراجعة كبرى منتظرة، ومن الواضح أيضا انه لن يصدر عندنا تقرير بقيمة التقرير الشهير الذي صدر في الولايات المتحدة في نهاية الخمسينيات تحت عنوان "أمة في خطر" وأعاد في حينه تحديد مكانة الولايات المتحدة ودورها في قيادة العالم من خلال مراجعة نظم التعليم وإدارتها.

لم تتجاوز مناقشتنا لحادثة التوجيهي في حدها الأقصى المطالبة باستقالة الوزير الذي لم يمض سوى أسابيع قليلة على رأس الوزارة وورث فجأة مشاكلها وأزماتها ووجد نفسه فجأة على شاشة  التلفزيون الذي كان فيه ضيفا يوميا يطل على الناس يهدي للحكمة ويدعو لمكافحة الفساد والترهل، ووجد نفسه من دون عدة ولا عتاد في دراما سوداء لتحولات مثقف السلطة!

قد تكون  بالفعل مسألة الخلل في إعلان نتائج الثانوية من زاوية ما مجرد مسألة فنية أحدثت كل هذا الاضطراب الذي قد يحدث في أي بلد في العالم، ولن نصادر حق من يريد أن يأخذ الموضوع من هذه الزاوية، فكما أن جوهرالمسألة ليس هناك، فهو أيضا ليس في ميدان المعركة التي بطحنا فيها الوزارة على ورق الصحف وعلى مواقع الانترنت جلدا أو تبريرا، إن المسألة تكمن بالتحديد في الصراع على مستقبل التعليم في الأردن.

سلسلة أزمات متوالية يشهدها التعليم في الأردن منذ سنوات شملت الجامعات والتعليم العام، ليس أولها ولن يكون آخرها أزمة نتائج التوجيهي‘ تعبر هذه الأزمات بالدرجة الأولى عن صراع غير مباشر على مستقبل التعليم، ينال شكل ومضمون ومسار التعليم الذي يعد أغلى وأثمن أشكال رأس المال الوطني.

هذا الصراع ضرب في العمق مكانة المؤسسة التعليمة الأردنية ونال من دورها ووظيفتها عبر اختلاط وإرباك القيم التنظيمية وقيم الإصلاح، وعدم وضوحها، وبالتالي دخلت المؤسسة التعليمة ومن حولها المجتمع في دوامة وحلقة مفرغة؛ ماذا نريد من التعليم والى أين يسير؟ ولعل مشهد أرباك يوم حادثة التوجيهي  واحد من مظاهر الأزمة الإصلاحية الكبرى في  التعليم، كلنا في المجتمع وفي مؤسسات التعليم ومؤسسات الدولة والإعلام ندرك الحاجة لإصلاح تعليمي  وتربوي، ولكن لا توجد إلى هذا اليوم رؤية وطنية متماسكة لا في التعليم العام ولا في التعليم العالي قادرة على الصمود على مدى سنتين فقط.

عبرت حادثة التوجيهي عن ثلاث أزمات فرعية مصدرها الأزمة الإصلاحية الكبرى في التعليم.

 الأزمة الأولى؛ هشاشة مسار تطبيقات تكنولوجيا المعلومات في المؤسسة التعليمية الأردنية التي تحولت خلال العقد الأخير إلى إيديولوجيا أكثر من كونها أداة للمعرفة وبيئة للتكيف مع العصر، يكفي ان نراجع على سبيل المثال مدى ملاءمة المعرفة التي حصل عيها الطلبة في مجال تكنولوجيا المعلومات أو المعلمين في التدريب مع الحاجة إلى تطوير قدرات عملية يستفاد منها في الحياة العملية، وحتى  في الجامعات، هذا العام سوف نحتفل بمرور 25 سنة على بدء التدريس في أول أقسام الحاسوب في الجامعات الأردنية وعلى مدى هذه السنوات سال وادي السيلكون الأردني بمياه غزيرة بالحديث عن التعليم الالكتروني والمحصلة لا تتجاوز حدود (البوربونت) و(الداتاشو).

الأزمة الفرعية الثانية تتمثل في الإزاحة في مسار التطوير والتحديث بشكل مبالغ فيه نحو قيم قوى السوق ومنطقها حيث لا شيء يتراكم ولا توجد تحولات كيفية حقيقية، فهناك عشرات المشاريع كل يعمل وحده ولا اثر يلمس بعد نهاية المشروع. يكفي أن نراجع عشرات المشاريع التي نفذت لحساب قطاع التعليم.

قس على ذلك مشاريع الوكالات الدولية التي شكلت وزارات ظل ليس لأنهم يريدون ذلك بل لأنهم وجدوا فراغا واسعا بحاجة لمن يملؤه.

الأزمة الثالثة تبدو في أن مسار الإصلاح المفرّغ من المضمون، أوجد حالة من الترهل وبيئة مزدهرة للفساد. ألم نكن نقول دوما لطالبنا إن الامتحان والعلامة والشهادة هي شرف المؤسسة التعليمية، ألم تكسر هذه البلورة من أعلى المستويات؟

الخلاصة حينما تُهَز المؤسسة التعليمة يجب أن َهتز الدولة بأكملها، لأن المجتمع بأكمله في خطر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اننا نضيع وقتاً ثامناً (محمد الصمادي)

    الخميس 11 شباط / فبراير 2010.
    يبقى الكلام عن التعليم مجرد كلام للإستهلاك المحلي إذا لم يرافقه أفعال. مثلاً الحكومة تستقطع منا رسوم جامعات وتجمركها قبل أن تعطي بعضها فقط للجامعات. حديثاً أيضاً هنالك عبقري إخترع موضوع حرمان جامعات كاملة من هذه "المنح" بحجة اعطائها للجامعات التي تعاني نقصاً مالياً ممكن أن يكون سببه الرئيسي سوء الإدارة. بهذا نكافئ المقصر ونشجعه على المزيد من التقصير. الجامعات في الدول المتقدمة علمياً تعتبر مفخرة البلد وعندنا للأسف نخترع التعليم الموازي الذي ضاعف عدد الطلاب وأبقى عدد المدرسين والمختبرات هي هي.

    أما المدارس فأصبح راتب المعلمين من أقل رواتب البلد وشجعنا الطلبة الفاشلين على المعلمين حتى إنحدر مستوى التعليم بشكل خطير.

    الأهل أيضاً يتحملون جزءًا من المسؤلية بإهمالهم لأولادهم وتدليعهم بشكل سخيف حتى لم يعد الوالد يستطيع أن يطلب كاسة ماء من ابنه أو بنته وسمحنا للأولاد بأن يصبح همهم الأول والأخير الشيبس والبسكوت والخلويات. الأهل ولأسف يشجعون ابناءهم على الغش ولا تستغرب حين ترى الأب يوصي المراقب بأن يدير باله عالولد.

    الحل لن يكون بإلقاء المزيد من الأموال على المشكلة فقط ولكن بتغير أنماط سلوك لدى الشعب مما يتطلب وقتاً ليس بالقصير وبهذا حتى لو بدأنا الآن فإن هنالك جيلاً كاملاً قد لا يستفيد أما إذا لم نبدأ الآن فإننا بذلك نرمي بمستقبلنا في سلة المهملات. الوقت ليس في صالحنا.
  • »قل ما شئت (سالمين)

    الخميس 11 شباط / فبراير 2010.
    مقال رائع للمراجعة والوقوف عنده ولكن لسان حالنا في هذة الأزمة كما غيرها من الأزمات يقول (قل ما شئت وانا أفعل ما أريد )
  • »يخسا بل غيتس (عصام طنطاوي)

    الخميس 11 شباط / فبراير 2010.
    لن يهتز أي شيء .. سيستمر أي شيء في هذا العبث إلى ماشاءت الأقدار ..
    علينا في ذروة هذه الفوضى أن نذعن للسيد المسؤول ، و ننسى بسهولة ، و يادار مادخلك شر .. معاليه و عطوفته و سيادته لا شأن له بما يجري ، و أنا أبريء هذا المسؤول من تاريخ طويل من الروتين و المحسوبية في وزارته ، و الكادر الهائل الذي يعمل تحت إدارته و وزارته ، كل مسؤول يرث مامضى ولا شأن له بما سيأتي !! و لماذا يشغل نفسه بإعادة إعمار الكون المهدم أصلاً ؟
    هي مرحلة قصيره من عمره في المركز العالي و المعالي و تمضي في أي تغيير سريع في أي تشكيل وزاري قريب أو بعيد .. سنة أو أكثر .. لافرق .. وزارة تفوت ولا حد يموت ..ولا أحد يعرف من المسؤول عن الأخطاء ولا الموروث الثقيل من التراكمات ذاتها ، ليست مسألة نتائج إمتحانات ، و ليمت من يموت كمداً لهذه النتائج التي جاءت بسبب أخطاء بل غيتس التقنية ، و لينتحر من ينتحر من الطلبة فداءً للتوجيهي ولكمبيوترات تشتغل عليها عقول من العصر العثماني
    زمان كانت أمهاتنا تقضي النهار بجوار الراديو لسماع نتائج الإعدادية ، وتزغرد فرحاً بالنتائج ..
    تطورنا بسرعة ..
    يالله لماذا لم ننتبه ؟
    تلطم أمهات عشرات الآلاف من أمهاتنا الآن لأن السيد مايكروسوفت غبي و جاهل و يحتاج لتطوير أنظمته العاجزة عن إستيعاب وزاراتنا المتألقة !