خيانة الولاة

تم نشره في السبت 6 شباط / فبراير 2010. 02:00 صباحاً

 في الأنظمة الديمقراطية يفترض في نظام العدالة أن يكون مستقلاً. بيد أن بعض مدعي العموم وقضاة التحقيق يتناسون هذه الحقيقة كلما كان في ذلك مصلحة لهم. والواقع أن العديد من بينهم غارقون إلى آذانهم في السياسة، ويلاحقون أجندات سياسية خاصة وتحركهم الرغبة في الانتقام والثأر.

إن ظاهرة تسييس مدعي العموم وقضاة التحقيق أصبحت عالمية، حيث بدأت في الانتشار في أنظمة ديمقراطية متنوعة مثل اليابان، وفرنسا، وأسبانيا، وتركيا، والأرجنتين. وفي كل هذه البلدان يُلقي مدعو العموم وقضاة التحقيق باتهامات الفساد ضد الحكومات والأحزاب الحاكمة ـ وهي الاتهامات التي يتصادف أيضاً أن تناسب المصالح السياسية والمؤسسية للقضاة.

على سبيل المثال، وجه المدعي العام الياباني الاتهام إلى ايشيرو أوزاوا، الأمين العام للحزب الديمقراطي الياباني المنتخب حديثاً، بتلقي أرصدة مالية غير قانونية لإدارة الحملة الأخيرة للحزب الديمقراطي الياباني ضد الحزب الديمقراطي الليبرالي. والواقع أن توجيه الاتهام إلى ثلاثة من مساعدي أوزاوا بعد أشهر فقط من انتصار الحزب الديمقراطي الياباني يُعَد أمراً بالغ الغرابة في نظر العديد من اليابانيين، وذلك نظراً للفساد المعروف عن الحزب الديمقراطي الليبرالي أثناء توليه للسلطة.

ولكن الحزب الديمقراطي الليبرالي عِمل يداً بيد مع البيروقراطية اليابانية الراسخة، التي يشكل مدعو العموم جزءاً منها. ولقد تعهد الحزب الديمقراطي الياباني بإعادة تنظيم العلاقات الحميمة بين البيروقراطيين اليابانيين والساسة وكبار رجال الأعمال. وبتوجيه الاتهام إلى أشخاص مقربين من أوزاوا فمن الواضح أن مدعي العموم يدافعون عن الوضع الراهن.

وفي إيطاليا بدأ مدعو العموم في روما، سيراً على خطى زملائهم في ميلانو، في ملاحقة رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني. لقد أبى قضاة التحقيق في إيطاليا بإصرار أن يتقبلوا الشعبية والنفوذ الانتخابي اللذين يتمتع بهما رجل الأعمال البالغ الثراء الذي حاولوا إدانته لسنوات عديدة. والواقع أن برلسكوني قد لا يكون أكثر الإيطاليين تهذيباً وثقافة، ولكن بعد العديد من المحاولات لم يثبت قط ارتكابه لأي جريمة. ورغم ذلك فإن القضاة عازمون على جره باستمرار إلى المحاكم.

وفي فرنسا، حاول قضاة باريس طيلة سنوات توجيه الاتهام إلى الرئيس السابق جاك شيراك بالفساد. وطالما كان شيراك رئيساً، فلم تكن الفرصة متاحة قانوناً لملاحقته قضائياً، ولكن بعد أن تقاعد شيراك واقترب عمره من الثمانين عاماً، قام قاضٍ "مستقل" بإعادة فتح القضية. ويقال إن شيراك قام بتوظيف بعض مسؤولي الخدمة المدنية في البلديات كمساعدين له في حملته الانتخابية قبل عشرين عاماً حين كان عمدة لباريس. ويجدر بنا هنا أن نتذكر أن أي قاضٍ لم يتجرأ على توجيه الاتهام إلى فرانسوا ميتران، سلف شيراك الاشتراكي، حين استخدم أموالاً حكومية للترفية عن عشيقته وابنته غير الشرعية.

ومن بين الأدلة الأخرى على الطبيعة المسيسة لبعض القضاة الفرنسيين إعلان قاضي الادعاء فور تبرئة رئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيلبان من اتهامه بتشويه سمعة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، عن اعتزامه استئناف حكم المحكمة وملاحقة دو فيلبان قضائياً من جديد.

وفي بيونس آيرس، لا يملك المرء إلا أن يتساءل عن الدوافع وراء الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا، والذي منعت بموجبه الرئيسة كريستينا كيرشنر من تغيير رئيس البنك المركزي. إن كيرشنر ليست فوق مستوى الشبهات، ولكن افتقار القضاة إلى الحجج القانونية المحكمة يثير الشكوك حول وجود دوافع سياسية.

وفي تركيا يتزايد الموقف تعقيداً ولا يقل انغماساً في السياسة، حيث يركز مدعو العموم والقضاة بإصرار على ملاحقة حزب التنمية والعدالة الإسلامي المعتدل باسم حماية الدستور العلماني. فبعد انتخاب حزب التنمية والعدالة في عام 2003، سارعت المحكمة العليا إلى حله من أجل منع رجب طيب أردوغان من تولي منصب رئيس الوزراء. وعلى ذلك فقد اضطر حزب العدالة والتنمية إلى تغيير اسمه، ولبعض الوقت اضطر أردوغان إلى الوعد بالتخلي عن منصب رئيس الوزراء.

وفي عام 2008 حاول مدعو العموم مرة أخرى حل حزب العدالة والتنمية، بناءً على اتهامه بتقويض الدستور. وفي عام 2009 قررت المحكمة العليا حل الحزب الكردي القانوني الرئيسي، بعد اتهامه بالاتصال بالعصابات الكردية المسلحة.

وهذا القرار التعسفي يحرم ملايين الأكراد من أي تمثيل قانوني ويفسد محاولات حكومة حزب العدالة والتنمية للإصلاح بين الأكراد والجمهورية التركية.

بالطبع، لا نستطيع أن نزعم أن كل القضاة ومدعي العموم ينخرطون في أنشطة حزبية سافرة. ذلك أن مدعي العموم الأوروبيين يميلون إلى الارتكان إلى اليسار، في حين يميل نظراؤهم في أميركا اللاتينية واليابان إلى المحافظة وتأييد المؤسسة الحاكمة.

ولعل قاضي التحقيق الأعظم شهرة على الإطلاق هو القاضي الأسباني بالتازار جارزون، الذي يصوَّر عادة وكأنه يشن حملة بلا حدود من أجل العدالة. ولكنه يركز دوماً على اليمين السياسي. ولكن بدلاً من ملاحقة مثل هذه الأجندة الإيديولوجية المفتوحة، فإن أغلب القضاة الناشطين يميلون إلى العمل وكأنهم ينتمون إلى شركة أو مؤسسة: فقد تخضع دوافعهم للتسييس ولكن مهنتهم ومصالح نقابتهم تأتي أولاً.

ولقد اشتهر النظام الفرنسي القديم بأن القضاة كانوا يعملون في هيئة مجمعة باعتبارهم طبقة اجتماعية مترابطة ومكتفية ذاتياً. وكان المقصود من الثورة الفرنسية وتطبيق حق الاقتراع الشامل وتخليص فرنسا من المؤسسة القضائية بقدر ما كان المقصود منها التخلص من طبقة النبلاء.

ولكن على الرغم من العملية الديمقراطية، فإن القضاة ومدعي العموم في كل مكان كانوا يميلون إلى إعادة ترسيخ أنفسهم بوصفهم نخبة ذاتية التعيين، ومعزولة بناءً على رغبة المجتمع في اعتبار القضاء والعدالة كياناً مستقلاً. وحين ننظر عن كثب إلى الحياة المهنية للقضاة في البلدان المذكورة أعلاه، فسوف نجد أن القانون من الممكن أن يتغير، ولكن الانتقاء يظل يشكل القاعدة المعتادة للعبة: حيث يتعين على أي قاضٍ أو مدعي عموم ناجح، حتى يتمكن من تسلق السلم المهني، أن يتبع توجيهات أقرانه من أجل زيادة نفوذ المؤسسة التي ينتمي إليها.

وينبغي لنا أن نفكر أيضاً في السبب الذي قد يدفع أي شخص إلى الرغبة في العمل كقاضٍ.

 إن المرشحين الطامحين في مجال القضاء يرغبون عادة في "تنظيف" المجتمع. ومن الأمور ذات الدلالة هنا أن القضاة الإيطاليين الذين حاربوا المافيا الصقلية في ثمانينيات القرن العشرين كانوا يطلقون على حملتهم وصف "حملة الأيدي النظيفة".

والواقع أن ذلك الوصف كان مناسباً في تلك الحالة. ولكن في كثير من الأحيان يأتي التطهير كذريعة لتغيير الاتجاه السياسي حين يصوت الناس على نحو يعارضه القضاة.

من المفترض في الديمقراطية أن تقوم على الفصل بين السلطات المؤسسية وإيجاد التوازن بينها. وهذا التوازن ينجح ما دامت كل مؤسسة خاضعة للتمحيص الدقيق ـ وهو ما يتجنبه القضاة ببساطة.

والحق أنني لا أرى سبباً يدعوني إلى الثقة في القضاة ومدعي العموم أكثر من ثقتي في الرؤساء والمشرعين. ولقد حان الوقت لكي تعمل السلطة الرابعة المزعومة ـ الإعلام ـ على التدقيق في سلوكيات ودوافع القضاة ومدعي العموم، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، على النحو نفسه الذي تتعامل به مع المسؤولين المنتخبين.

*فيلسوف واقتصادي فرنسي، وهو مؤلف كتاب "الاقتصاد لا يكذب".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2010.

التعليق