الولايات المتحدة العالمية

تم نشره في الجمعة 15 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 صباحاً


الولايات المتحدة ثالث دولة في المساحة بعد روسيا وكندا، وثالث دولة في عدد السكان بعد الصين والهند. وفيما عدا ذلك فهي الأولى في كل شيء، الثروة والإنتاج والعلم والتكنولوجيا والقوة العسكرية والنفوذ السياسي ما يجعلها زعيمة العالم أجمع، وليس فقط زعيمة للغرب الذي يسمي نفسه العالم الحر.

هي الأولى بين دولتين قامتا على أنقاض أهلهما الأصليين، والثانية هي إسرائيل، والأولى كدولة علمانية بنص دستورها حسب التعديلين الأول عام 1791 والرابع عشر عام 1868، والأولى في تعدد جنسيات مواطنيها بما يزيد على 120 جنسية أصلية، والأولى في نسبة المهاجرين من سكانها، وفي نسبة المحتل والمشترى من أراضيها فهي دولة سكانها من المهاجرين وأغلب أراضيها إما محتلة او مشتراة، والأولى التي أعطت حق التصويت للمرأة عام 1920، والأولى في الوصول الى القمر عام 1969، والأولى في اختلاف أصول رؤسائها فمن بين 44 من رؤسائها اثنان سويسريا الأصل، وثلاثة ايرلنديون، وثلاثة هولنديون، وثمانية اسكتلنديون، وإفريقي واحد.

بجبروتها الاقتصادي الذي استبدل الذهب بالدولار، وقوتها العسكرية الهائلة التي تطال أي موقع على الكرة الأرضية لم يعد هناك ما يمكن استدراكه للحيلولة دون ارتباط مصير هذا العالم بالولايات المتحدة، الإمبراطورية الأغنى والأقوى التي تكاد لا تغيب عن نفوذها الشمس. ذلك ما لا تخفيه نخبها الثقافية التي دعتها الى اهتبال فرصة تفردها في قيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

جميع القوى المتقدمة والناهضة مما يشار اليها من أوروبا الموحدة الى التنين الصيني الى الدب الروسي وكل ما يمكن ان تلحق بها من قوى، بوسعها ان تكون في المستقبل قوى كبرى منافسة اقتصادياً، وربما عسكرياً أيضاً، لكن لن يكون بوسعها ان تماثل الولايات المتحدة في ثقافة القوة المشبعة بالتفوق والرغبة الجامحة بالاستئثار، التي تملأ نفوس نخبها التي لا تتردد في جعل العالم يقف على أطراف أصابعه، او دفعه الى شفير الهاوية دفاعاً عن مصالحها ومجالها الحيوي الذي حددته لنفسها.

سابقة في تاريخ الدول تسجلها الولايات المتحدة باستحواذها على الثروة والقوة والتفوق والنفوذ الدولي والنخب الارستقراطية المستأثرة، الى جانب ما يجتمع فيها من تنوع عرقي وقومي وما يتبعه من تنوع ثقافي هو الأوسع في العالم. ما يجعلها تتحول الى ولايات متحدة عالمية، فهي العالم مختصر في دولة واحدة، وصورة لما يمكن تسميته دولة عالمية.

هذه هي الولايات المتحدة، العالم مصغرا في دولة واحدة، بهرت عقول المغامرين والمستضعفين الذي أحبوا فيها كل ما هو نقيض لما في أوطانهم من قهر او ظلم او أنظمة حكم او ثقافات متخلفة، فحق لها ان تعلن أنها دولة العلمانية والديمقراطية والحريات الشخصية. لكنها باتت تدعو للفزع وتتطلب شديد المراقبة في ضوء ما بات قاعدة سياسية ثابتة من انه لا يمكن معاداة أميركا كما انه من المستحيل كسب صداقتها.

مثل أي إمبراطورية أخرى سوف يطويها التاريخ، لكن آثار أفولها لن تكون بمثل آثار أفول غيرها من إمبراطوريات سلفت لم يرتبط مصير العالم بها مثلما هو مرتبط اليوم بالولايات المتحدة. ما يملي على قوى الديمقراطية الصاعدة ضرورة دراسة هذه الظاهرة الاميز في تاريخ الدول، ليس من باب الضرورة المعرفية على أهميتها، وإنما أيضاً من باب التحوط لما قد ينجم عن رحلة أفولها من تداعيات عالمية لا سابق لها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تسويق صورة الولايات المتحدة للخارج (حسن)

    الجمعة 15 كانون الثاني / يناير 2010.
    ارى ان الأخ كاتب المقال مفتون بكل ما هو امريكي , و لاكني اقل له ان الصورة المرسومة في ذهنك عن الولايات المتحدة ليست "كاملة" ! وما هي الا صور مجتمعة من الدعاية الامريكية الخارجة للعالم ، والتي توهم العالم بان الولايات المتحدة هي جنة الله على الارض ! بالمقابل من يقيم في الولايات المتمحدة يعلم ان أفول هده الامبراطورية العالمية العظمى على وشك القدوم بدايتا مما سوف يترتب عن تفكيك للولايات عن السلطة المركزية و لايتا تلو الولاية. 
  • »ما حال الحضارة الأندلسية لو استمرت ليومنا هذا (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الجمعة 15 كانون الثاني / يناير 2010.
    تماما يا أخي الكريم كأنك تصف العصر الأندلسي ، وعلمائهم وفلاسفتهم ، وانتشار العلم والثقافة في الوقت التي كانت اوروبا غارقة في جهلها ..هذا قبل عدة قرون ..تخيل لو أن العرب استمروا في االأندلس ، وبقي لعصرنا الحاضر ..ماذا سيكون حال العالم اليوم ..الحضارات تصل القمة وثم تنهار ..وأمريكا مثلها مثل الحضارات الأخرى ..فقد تنبأ المؤرخ الريطاني أرنولد تونبي في الستينات عن بداية انهيار الحضارة الأمريكية ..ونحن الأن نلمس تنبوأته ...أمريكا ستنهار من الداخل ..من يعيش هنا يجد الأمراض الأجتماعية التي توصلت لها الولايات المتحدةالأمريكية ، وهي نفس الأمراض الأجتماعية التي كانت سببا في قهرنا بالأندلس