هل تنجح تركيا فيما فشلنا فيه خلال نصف قرن ونيف ؟

تم نشره في الخميس 14 كانون الثاني / يناير 2010. 03:00 صباحاً


في يوم الجمعة الماضي 8/1/2010 كان هناك حدث في المنطقة حظي بتغطية خاصة من قناة "الجزيرة" هو إعادة تشغيل الخط الحديدي الذي يصل بين حلب السورية وغازي عنتاب التركية. وقد انطلق القطار بحماسة بعد توقف دام عشرين سنة واستقبل بحماسة رسمية وشعبية قيل فيها الكثير من الكلام المتعارف عليه في  مثل هذه الحالات. ولكن مدير السكك التركية انفرد بأمر دغدغ المشاعر وأثار الشجون حين قال إن تركيا تأمل الآن بإعادة تفعيل سكة الحجاز لنقل الركاب والبضائع ما بين استنبول والمدينة المنورة.

ويبدو في هذه الأيام التي يمكن أن نسميها "أيام تركيا" في المنطقة أن كل تصريح وكل موقف تركي يضرب على الوتر الحساس لدينا ويزيد أكثر وأكثر من شعبية تركيا وقيادتها حتى صار علينا أن نؤمّن تأييد ودعم تركيا لاي مشروع ناجح نحتاج اليه.

وكانت سكة الحجاز قد بدئ العمل بها في 1900 من دمشق فيما بدا آنذاك مشروع القرن الجديد وأمل العالم الاسلامي نظرا إلى التكاليف الكبيرة والمصاعب الكثيرة المتوقعة في البيئة الجغرافية التي تمر فيها السكة على امتداد 1300 كم. ومع وصول أول قطار إلى المدينة المنورة في أيلول 1908 كان العالم العربي الإسلامي قد دخل في القرن العشرين بالفعل لأن العربي كان يحتاج الى شهر مع المعاناة الكبيرة ليصل من دمشق الى المدينة المنورة بينما أصبح يصل الان بالراحة بعد 3 أيام، أما المسلم البوسنوي فكان يحتاج لذلك إلى 3 شهور في الذهاب ومثلها في الاياب اذا بقي على قيد الحياة.

وقد أدت السكة في المنطقة التي امتدت فيها الى نتائج اقتصادية واجتماعية وعمرانية مهمة، حيث شجعت السكان على التحرك الآمن وانتقال البضائع والاستقرار حول المحطات التي بنيت على طول الطريق. ويكفي أن نشير هنا بالذات إلى "محطة عمان" وما كان لهذه المحطة من تأثير كبير في تطور عمان بسرعة من قرية إلى بلدة تصلح لأن تكون لاحقا عاصمة للإمارة الأردنية في 1921. ومن هنا فقد كان من حق السكة علينا كمؤرخين أن نهتم أكثر بالمئوية في 2008، التي كان يمكن استثمارها أكثر لغرض الحلم القديم المتجدد بإعادة تشغيلها.

ويبدو الان مع هذه الحماسة التركية أننا نقترب من مئوية أخرى نأمل أن تثمر هذه المرة. فقد اشتغلت السكة بعد كل الأموال والأعمال الضخمة التي بذلت لأجلها ست سنوات فقط لتأتي الحرب العالمية الاولى 1914-1918 لتنال منها وتوقفها إثر الأضرار التي تعرضت لها. وقد بقيت السكة معطلة عدة سنوات بسبب الأوضاع السياسية الجديدة التي برزت في المنطقة التي  تمتد فيها السكة (سقوط المملكة الحجازية الهاشمية ونشوء المملكة العربية السعودية وتكريس الانتداب البريطاني على الاردن والانتداب الفرنسي على سورية).

ولكن مع استقلال الاردن في 1946 والجلاء الفرنسي عن سورية في السنة ذاتها دبت روح جديدة في المنطقة وظهرت دعوة شعبية ورسمية لإعادة تشغيل السكة بعد الخلاص من المستعمر الذي كان يعتقد أنه السبب في تعطيل السكة. وهكذا فقد عقد أول اجتماع في دمشق بتاريخ 18 نيسان 1947 بمشاركة دولة سمير الرفاعي حيث اتفقت الدول الثلاث (الاردن والسعودية وسورية) على مبدأ "وحدة الخط الحديدي" وإصلاحه وتشغيله وتشكيل لجنة فنية لـ "عمل دراسة فنية لتكاليف إصلاح الخط وتقرير التكاليف اللازمة لعرضها على الحكومات لتدارك الأموال اللازمة لتنفيذ المشروع". ولكن ما لدينا بعد ذلك هو مئات الاجتماعات والتوصيات والقرارات على مدار نصف قرن ونيف التي بقيت حبرا على ورق بسبب ارتباطها بالأوضاع التي  كانت تمر بها المنطقة.

فهل ينجح الأتراك الان فيما فشلنا فيه لتتحول مئوية تعطيل السكة إلى مناسبة لتشغيلها ثانية؟

التعليق