طوبى لعام يفرحنا بهدم أسوار السكوت

تم نشره في الجمعة 1 كانون الثاني / يناير 2010. 02:00 صباحاً

على رصيف انتظار عام جديد أرقب رزنامة تسترسل في نوم يجيد تلغيم الذاكرة ضد الكبرياء.

العام هذا يمضي كما افلتت من قبل أعوام وعقود كانت فضيلتها اليتيمة ذبحَ الدهشة لدى جموع تساق طوعا إلى مقصلة التاريخ.

استحلفت العام وأنا أفتش أيامه عن حلم ووهن وانسحابات صامتة، فلم أجد سوى ما يتحف ذاكرة المقبرة بالعويل والانكسار. وجدت صدى ولهاثا متسربلاً بوهم التغيير. وجدت عاما يعي وهو على أهبة رحيل أنه يقف في لحظة رثاء مريرة لأحلامه وإخفاقاته، وهو يدرك أنه يمثل تكثيفا حزينا لوعي تضاعف شقاؤه تحت وطأة استبداد ينتج بشاعة تتناسل مثل فطر برِّي.

في إطلالته، كان عامنا الآفل مثل حالم تألق بثقة التغيير لكنه تحت سطوة السائد تحول إلى حطام يحيطه الكذب والتلفيق ويعيش مناجاة لحظية للأحزان.

في يومياته، واجه عامنا سيلاً من أسئلة وإشكاليات معقدة نزعت منه أحلام العدالة والحرية والتغيير، لكنه ما يزال يرنو بعيدا حتى في مقارنة نفسه المهزومة بمحطات زمنية لامعة في التاريخ. فهو يستذكر ما دونت ذاكرة الحلم اللاتيني وبطلها سيمون بوليفار في رواية "الجنرال في متاهته" لغابريل غارثيا ماركيز " خذني أنا. أؤكد لك أنك ستكسب مالا أكثر إذا عرضتني في قفص، باعتباري أكبر مغفل في التاريخ". كان ذلك بعد أن تهاوت أحلام بوليفار في توحيد القارة اللاتينية المستغرقة في متاعبها. محبطاً للناس كان عامنا لكنه وهو على أهبة رحيل يبدو مثل ذاك الحالم الذي لا يكف عن آماله في التصالح مع محيطه، بل والدهشة أحيانا التي تصل حد شهقة توقظ فيه حلما أو ألما بوصفه رجلا يئن تحت وطأتهما مجتمعين.

لم تشفع للناس في عامنا هذا استذكاراتهم وارتداداتهم ومعرفتهم اليقينية في بلوغ نهاية مشرعة على الجنون، بعد أن رسمتهم الظروف حالمين مأزومين، محاصرين ووحيدين، فقذفتهم شبكة معقدة من التداعيات إلى البؤس والبلادة المستترة بعناد يمنع استيلاد أي توهج في حياتهم، أو القدرة على توليد الأمل من وسط حلكة الرتابة ومن كماشة الزيف.

يدرك الإنسان أن حياته وآماله ليست هي التي أهدرت فقط، ولكن الملايين أضرمت في عيشها النيران التي أجهزت على حلم أُشعل مع رحيل المستعمر وتفجر الشعارات الكبيرة بالحرية والوحدة والرفاه.

هذا الإنسان الذي انتظمت في حياته سلسلة خيبات كانت بداياتها في زواج بدافع أداء الواجب استجابة لرغبة الرفاق في جمعه مع رفيقة في الحزب الذي كان يشغل حياته.

على الرغم من العتمة التي تملأ الشرفات، تمنى صاحب الخيبات لو تكون حياته صرخة في وجه دمار، وتفاؤلا لا يعرف التمنيات العابرة، على الرغم من المرارة والهزائم المتوالدة.

في أرشيف هذا العام الذي يلفظ أنفاسه يبدو الإنسان متورطا في أوهام الماضوية وإنتاج أحزان على يد جيوش من العسس المدبلجين في هيئات معولمة ولغة مغشوشة يمارسونها على أسماعنا البليدة.

كان هذا العام ذا سطوة على متبقيات الوعي الإيجابي لدى خصوم إعادة تأهيل المجتمع على قياسات الإقصاء الموروث في ترسيخ للحزن العام على فقدان الحلم ولذة القدرة على الابتكار.

في هوية هذا العام تكرست ميول الساسة لإنتاج مواطن بمفاهيم أنيقة لا تبعث القلق على قادم الأيام لتأبيد البهتان بوصفه ختما على أوراقنا الثبوتية.

يموت الإنسان حياً، لا بل ويسجل شاهدا على هذا الموت المعلن الذي تمارسه سياسات خبيرة، بكتم الأنفاس وإشاعة الهواجس وتأبيد أقنعة وعي المهمشين والبؤساء الذين يتحملون الأذى بصبر البعير.

في "العجوز والبحر" لأرنست همنغواي يقول بطل الرواية بعدما هُزم أمام أسماك القرش،"قد ينكسرالإنسان، لكنه لا ينهزم. لكن إنسانا ذاق حسرات هذه السنين المحتشدة بالنكسات سيغدو، قطعاً، خبيراً بالامتثال في أرض تضيق بمن يتقنون الدمع في جنائز الأعزاء، وتفجعهم نشرات أخبار تسخر لقبح المديح.

اتشح عامنا منذ اطلالته بدم غزة المفتوح على الأفق، وبإخفاقات أحلام الملايين بحرية تبدو يدها مغلولة بسجون يشيّد منها الكثير لتعميم الخشوع الجمعي، وتعبيد الطريق إلى المقابر وطمس العذوبة التي تتوارى في سنوات تنقضي ممزقة بالأسى.

لشدة بؤس ما رأى لم يطب لعامنا المقام لينسحب من رزنامة شمس التبس عليها الشروق، وتعثرت في فضاء مكتظ بإغداق الثناء على الخواء والجرح الراعف في الشتاء.

لم يعد الناس يأبهون بتوالي الأعوام في حين تتكاثر ظنونهم وخيباتهم وهم غرقى في أحزان تحيلهم أشلاء بشرية، يطاردها الخطر والصقيع والاغتراب، ويفاقم أوجاعها حرص لا يعني الحذر...

قبل أن يستقيل، يردد هذا العام أن الناس سئموا حياة يملأ نهاراتها ظلام اغتال الصبح منذ تخلوا عن هوياتهم وتعايشوا مع أوجاعهم التي مسحت ما في جعبة الذاكرة من صور للامتعاض والانتفاض ورفض هيمنة الخواء.

suliman.alqbelat@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »wall (Fadi)

    الجمعة 1 كانون الثاني / يناير 2010.
    allah akbar, men el sobe7 saddait-ha bwejehna ya Qbailaat. ma i7na 3arfeen inno 3aam zay elli ra7o, inkisaraat, bus agal ma feeha a3tina shwayet tafa2ol