الضغوط المتوقعة على الموازنة العامة

تم نشره في الأربعاء 30 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 صباحاً

العام الجديد الذي سيهل علينا، سيجلب معه توقعات من الناس فيها أمل مشوبٌ بالحذر، فالناس ترى أن عام 2009 كان عاماًَ مليئاً بالضغوطات، وحافلاً بالمفاجآت، ومكسراً لكثير من التفاؤل الذي ساد في الأعوام الثلاثة التي سبقته.

ومن هنا، فالناس سوف تنظر بدقة الى سياسات الحكومة وتشريعاتها حيال الموازنة العامة، ومع أن مشروع الموازنة الذي لم يقر حتى هذه اللحظة، والذي لن ينتهي قبل بدء العام الجديد، سيبقى محط أمل الناس، علماً أن موازنة هذا العام أقل من موازنة العام الماضي من حيث النفقات من ناحية، والإيرادات المحلية والخارجية من ناحية أخرى.

ولكن حجم الموازنة يبقى كبيراً بالقياس الى الناتج الإجمالي المتوقع الذي قد يصل الى قرابة  17  بليون دينار بالأسعار الجارية.

وعليه، فستكون نسبة الانفاق العام حوالي 30 %، هذا عدا عن إنفاق المؤسسات العامة ما يرفع نسبة الانفاق العام الى الناتج المحلي الإجمالي الى 40 % تقريباً.

ولذلك، فإن جمهرة الناس سوف تنظر الى الحكومة بصفتها المالك الأكبر لكتلة مالية تحدد مسار الاقتصاد وصيرورته خلال عام جديد مليء بالحذر والأمل.

ولكن الحكومة في الوقت نفسه لها مشاكلها، ويترتب عليها دفعات كثيرة مثل سداد الديون، ودفع الرواتب والأجور والتقاعد، وعليها التزامات عسكرية وتنموية لا تستطيع التخلي عنها، وسوف يتوقع الناس منها دعماً، وتأجيلاً لمستحقاتها، وفوق هذا وذاك كله، سوف يتوقع الناس منها أن تدعم القطاعات المتضررة.

ولنأخذ قطاع العقار مثلاً، فهنالك مطالبة من الحكومة بإعادة النظر برسوم التسجيل، ولو لمدة عام حتى تدفع في اتجاه زيادة الاستثمار وتسوية الالتزامات. وقد اتصل بي مواطن يطلب مني أن أكتب في اقتراح تخفيض رسوم تسجيل العقار خلال عام 2010 الى 5 %، وهذا يعني زيادة في النشاط العقاري مما قد لا يؤثر على ايرادات الحكومة من هذا الباب، وهي فكرة جديرة بالدراسة.

فهنالك الآلاف من الوحدات التي تم شراؤها ولكنها بيعت إما بوكالة أو أن تسجيلها قد تأجل حتى ينتهي تسديد كامل المبلغ، فإذا خفضت الرسوم، فإن هذه الوحدات العقارية سوف ينتهي تسجيلها، وكذلك سيزيد الإقبال على شراء وحدات جديدة.

وفي هذا السياق، فإن الحكومة بالمقابل مضطرة للبحث عن مصادر ايرادات جديدة. وسوف تكون سعيدة بأية أفكار من هذا النوع طالما أنها لا تجلب إلا القليل من ردود الفعل غير الراضية.

ومن هذه، التفكير في وضع ضريبة “كربون” على المشتقات النفطية، واستخدام الإجراء على أنه وسيلة لحماية البيئة مما قد يجلب مساعدات إضافية في هذا الإطار.

سيكون على الحكومة هذا العام التفكير بإبداع، بحيث تبقي حجم الموازنة على حاله، ولكن بدراسة المواقع التي يمكن أن تزيد إيراداتها، والمواقع التي تعطيها الأولية لزيادة إنفاقها أو دعمها بهدف تحريك عجلة الاقتصاد. وستبقى السياسة المالية هذا العام، وهي التحدي الأساسي لعمل الحكومة.

jawad.anane@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »2010 عام النمو أما الإنكماش؟ (رامي أبوعلي)

    الأربعاء 30 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    دفعني مقال د. جواد العناني بعنوان "الضغوط المتوقعة على الموازنة العامة" بتاريخ 30/12/2009 إلى التعرض إلى موضوع هام يرتبط إرتباط عضوي بمقالة الكاتب وهو جزئية النمو مقابل الإنكماش ، فقد ظهر جلياً خلال الفترة الماضية جدل عميق بين مختلف الفعاليات الإقتصادية لتشمل كتاب أعمدة صحف يومية، أكاديميين، سياسيين، البنك المركزي، إدارات مصرفية ورجال أعمال بارزين، أما العنوان الأبرز لهذا الجدل "العام 2010 عام للتضخم أم للإنكماش!؟"، خصوصاً مع القرارات المالية والنقدية التي تم إتخاذها على مستوى الجهات الناظمة والفاعلة في المجالين المالي والنقدي على المستوى الدولي.
    في خلال العام 2009 قدمت الحكومات أموالاً لأصول عديمة القيمة بهدف تلافي الإنهيار، وظلت تدفع وبإنتظام كافة المؤسسات التمويلية من أجل ضخ مزيد من القروض وعلى وجه الخصوص القطاع العقاري بإعتباره الخاسر الأكبر في الأزمة الإئتمانية القائمة، ويفسر البعض أن النتيجة الحتمية للسياسات المباشرة وغير المباشرة في ضخ السيولة يعني بالضرورة أن العالم لن يكون بمنأى عن التضخم في العام 2010.
    في المقابل يجادل البعض الآخر من المهتمين بالشأن الإقتصادي بأن العالم لا محالة سوف يواجه إنكماش ومعدلات تضخم سلبية على المدى القصير، أما الأساس الذي يعتمد عليه أولئك الخبراء، يمكن تلخيصه في التراجع المتوقع لإجمالي الناتج القومي لمعظم دول العالم، بالإضافة إلى أن مؤشرات قياس أسعار المستهلكين منخفضة جداً، وبالتالي فإن فكرة إنخفاض أعار الأصول العقارية على المدى القصير تلقى رواجاً لدى داعمي هذه الفرضية بالإستناد إلى عزوف مؤسسات التمويل عن توفير القروض العقارية ضمن المعدلات التي سادت خلال السنوات السبع التي سبقت الأزمة الإئتمانية الحالية.
    الحكومات في العالم تقوم بما يعرف شعبياً "طبع عملة"، والغاية من ذلك دعم الطلب الإستهلاكي ولإعادة التدفق الإئتماني بحيث يساهم ذلك في وضع حد أدنى لما يمكن أن تصل إليه أسعار الأصول العقارية، والمستهلكين بإعتبارهم الطبقة المستهدفة بهذه الإجراءات لا يتجاوب جميعهم مع الهدف الذي من أجله تم "طبع العملة"، فالبعض يعتقد بأن النقد السائل يجب أن يتم الإحتفاظ به خلال الفترة القادمة ويدعمون فكرتهم بأن الأصول العقارية سوف تنخفض قيمتها مستقبلاً، وبالتالي لا داعي للشراء بأسعار اليوم المرتفعة، لكن هنالك وجهة نظر أخرى لدى المستهلكين تفيد بأنه ما دام هنالك ضخ للسيولة في السوق، فإن ذلك يعني أن التضخم مستمر لا محالة، وبالتالي فإن كلفة الإحتفاظ بالسيولة هي كلفة عالية، لذا يدعم أولئك الإستثمار في الأصول العقارية.
    ما يقوم به البنك المركزي الأردني هو نفس ما تقوم به البنوك المركزية في العالم، ببساطة يدفع البنك إلى تخفيض أسعار الفائدة لمستويات إستثنائية، وبالتالي يزداد المعروض النقدي، فالأرقام أظهرت أن السيولة في السوق الأردني توصف بأنها ضمن مستويات غير مسبوقة، فهل دفعت مستويات السيولة العالية المستثمرين لشراء الأصول بشكل عام خوفاً من كلفة الفرصة البديلة (الإحتفاظ بالودائع)؟ والسؤال الآخر هل قادت هذه السياسة إلى خفض أسعار الصرف تجاه العملات الأخرى وبالتالي خدمت النمو في الصادرات وقلصت العجز في الميزان التجاري؟ والسؤال الأخير هل دفعت الإجراءات والسياسات التي أقدم عليها البنك المركزي إلى خلق تضخم مصطنع؟
    لرسم السيناريو القادم بشكل أوضح، يعتقد بعض المنظرين إلا أنه يجدر الإنتباه إلى أن التضخم قد لا يقود بالضررة إلى إرتفاع الأصول العقارية، بل إنه قد يزيد الإستهلاك ويقلل من أسعار الأصول العقارية، وهذه الفرضية قابلة للتحقق، فالخوف من كلفة الإحتفاظ بالنقد قد يدفع المستهلكين إلى الحضور باكراً إلى السوق، ويدفع المستثمرين إلى التريث في الإستثمار بالأصول العقارية لحين جلاء الرؤيا.
    في الأردن لدينا عجز كبير في الميزان التجاري يصل إلى 28.4%، أو 5.6% من إجمالي الناتج القومي، وهذه الظاهرة قد تكون غير ذات أهمية عندما يتم تعويض ذلك من خلال فائض الميزان الرأسمالي، لكن هذا الفائض غير مرشح لتغطية العجز المزمن في الميزان الجاري إن لم يشعر المستثمرون بإنجذاب نحو قيم الأصول وجدوى المشاريع، وهنا فإن الإعتماد على الإحتياطي الوفير من العملات الأجنبية والذهب لإبقاء ميزان المدفوعات متوازناً يمكن وصفه بلعبة بهلوانية شديدة الخطورة.
    لن تقف الأمور عند هذا الحد، فهنالك شبهة إنتهاك لقانون المديونية العامة، إذاً "طبع العملة" غير مرشح للإستمرار حتى لو تراجعت المعونات الخارجية، إلا إذا تم تعديل قانون المديونية العامة، وهنا ستكتب مؤسسات التمويل الدولية تقارير إقتصاديةً مختلفة عن الأردن، ومع ذلك فإن الجدال يتمحور حول تغيير السلطات المالية والنقدية آلياتها في العام 2010، والذي قد يساهم بالضرورة بتحقيق معدلات تضخم سالبة، وبالتالي الوقوع في المحظور "الإنكماش".