هل يمكن بناء الثقة بالحكومة؟

تم نشره في الأحد 27 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 صباحاً

نحتت استطلاعات الرأي مصطلح "فجوة الثقة المتنامية" بين المواطن والحكومات، وهي حالة تكرست في السنوات الأخيرة، إذ فقدت فيها الحكومات جزءاً كبيراً من مصداقيتها.

ثمة أسباب عديدة لفجوة الثقة تلك. فسياسياً، تعطّلت مشاريع الإصلاح كافة، وتراجعت الحالة الديمقراطية مسافات شاسعة إلى وراء.

الجانب الأخطر هو الاقتصادي، إذ غابت الشفافية تماماً عن عمل الحكومات، ولجأت إلى سياسات الاسترضاء، وغلبة المصالح الخاصة بالفساد والخلط بين البزنس والعمل السياسي.

"المال العام" موضوع القلق الكبير، لدى شريحة واسعة من المواطنين، في سياق سؤال الخصخصة وعوائدها وبيع ممتلكات الدولة، وهي عمليات تحتاج إلى أكبر قدر من النزاهة والشفافية والمصداقية. لكن ما حدث، على النقيض من ذلك تماماً، غموض وتداخل في المرجعيات والقرارات.

على تلك الأرضية يتأسس نقد المرحلة الاقتصادية السابقة، وليس على  قاعدة رفض الليبرالية والخصخصة، كما يدّعي بعض الكتاب. فهنالك مدارس ليبرالية عدة، وليست واحدة في الاقتصاد، وثمة فرق كبير بين الليبرالية الجديدة (المتوحشة) والليبرالية الاجتماعية (الناعمة)، التي تكفل حماية التوازن الاجتماعي، وصون الطبقة الوسطى.

بل إنّ سبب الارتياح المبدئي للفريق الاقتصادي الجديد أنّه منسجم، متآلف، له رئيس، ومرجعية واحدة، معروف تاريخياً بالنزاهة، وعدم الفساد وتضارب المرجعيات.

تلك السمات بدت واضحة في الخطوات الأولى للحكومة، وتمثلت في مدونة السلوك مع الإعلام، التي تكفل عدم إهدار المال العام، وإنهاء سياسات الاسترضاء والتنفيعات، ليس فقط لدى المؤسسات الحكومية، بل حتى شبه الحكومية والعامة (التي تملك قدراً أكبر من الاستقلالية).

نحن أمام خطاب "نوايا" صريح، أظهرته الحكومة في الإدارة الحازمة للمال العام ورفض التسيب، وقد تمخّضت الأيام الأولى عن وضع وزير الزراعة استقالته بين يدي الرئيس الذي رفضها. وفي كل ذلك رسائل جيّدة للرأي العام.

وقدّمت الحكومة، كذلك، إشارات مطمئنة عن برنامجها الاقتصادي، على لسان عدد من وزرائها، سواء بالتأكيد على تعميم المنافع التنموية أو بتشكيل لجنة من مهماتها "حماية الطبقة الوسطى"، ما يؤشر أنّنا أمام خط سياسي- اقتصادي أقرب إلى "الليبرالية الوطنية"، التي تؤمن بالسوق الحرة لكن بالتزاوج مع الاعتبارات الاجتماعية، وحماية الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة.

إذن، الحكومة تمكّنت، خلال أيام قليلة، من تسجيل "أهداف نظيفة". لكن المحك الحقيقي يكمن في ترجمة هذه "النوايا" إلى خطوات عملية واضحة وآليات تمنح المواطن الثقة الكاملة بأنّ أبواب الفساد المشرعة سابقاً قد سدُّت، وأنّ المال العام اليوم في أيدٍ أمينة.

ندرك تماماً أن الفريق الاقتصادي الحالي جاء متأخراً وفي الوقت الضائع، وأمامه تحدٍ اقتصادي صعب للغاية، مع محدودية للمناورة الحكومية في مواجهة عجز الموازنة المرعب، وبلوغ نسبة الدين إلى الإنتاج المحلي مشارف الخطر، ووجود استحقاقات لقوانين اقتصادية مؤقتة موضع جدل وخلاف داخلي، كمشروعي الضريبة والضمان.

المواطن الأردني يمتلك حسّاً وطنياً مشهوداً وقدرة كبيرة على التفهّم والصبر والتضحية، ولو على حساب أمنه الاقتصادي اليومي، طالما أنه لا يشعر بالغُبن ولا يرى أيدي الفاسدين تمتد إلى قوت أطفاله، وتسحق مستقبلهم!

طريق بناء الثقة بين المواطن والحكومة محددة وواضحة، والحكومة بدأت بسلوك الاتجاه الصحيح، والرهان على قدرتها على الاستمرار فيه، وصولاً إلى امتلاك صلاحياتها الدستورية كاملة لإصلاح هيكل العلاقة بين الدولة والمواطنين التي تضررت كثيراً في السنوات الأخيرة.

m.aburumman@alghad.jo

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعم ممكن ولكن...؟ (ابو خالد)

    الأحد 27 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    من المفروض ان يكون الانسان واثقا بحكومته كما يثق الابن بأبيه او كما يثق الصديق بصديقه,لكن هذه الثقة تتلاشى عندما يرى الانسان ان حكومته غير صادقة معه تماما كما تتلاشى ثقة الابن بأبيه عندما يكتشف ان والده(النموذج) غير صادق معه.
    فمثلا فرحنا كثيرا عندما قامت حكومة السيد معروف البخيت بعمل امتحانات لشغل وظيفة مدير عام الضمان الاجتماعي ووظيفة الرئيس التنفيذي لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات إلا انه وللاسف لم تتكرر التجربة واصبحت المناصب العامة توزع على اسس الافادة الشخصية وكأنها عطايا توزع هنا وهناك لا يحكمها إلا مزاج من يمنحها وهذا ما ادى بالتالي الى فشل كثير من المؤسسات في تنفيذ سياساتها وبرامجها كون من تربع على كرسي رئاساتها هبط عليه بالبراشوت.
    انا لست متشائما بطبعي ودائما املت الخير بكل رئيس جديد ومنهم دولة سمير الرفاعي الذي ارجو ان يكون كتاب التكليف السامي هو الطريق الذي تسير عليه هذه الحكومة خاصة وان مضامينه تعتبر عظيمة خاصة بوقف سياسة الاسترضاء التي اوصلتنا الى فقدان الثقة بالحكومة , هذا اولا وثانيا اذا ما كانت سياسة المكاشفة والصراحة هو مبدأ عملها والشفافية(فعلا لا قولا) هو سياستها فانا متأكد انها تستطيع كسب ثقة المواطنين .خاصة اذا تعلق الامر بالامور المعاشية اليومية للمواطن, فالمواطن يتسائل لماذا يدفع سعر غير عادل للبنزين ولماذا سعر الطاقة مرتفع,اذا كانت الحكومة تريد فعلا كسب ثقة مواطنيها فعليها الاجابة على اسئلتهم البسيطة الصغيرة .نكرر ان الامل معقود على هذه الحكومة ونتمنى صادقين التوفيق لها حتى تكون حكوماتنا موضع ثقتنا حتى لا نبحث عن مصادر اخرى للاجابة على هذه الاسئلة البسيطة والسهلة من جهات تكن العداء لنا وتضمر لنا سوء النية .
  • »على قد فراشك مد رجليك...لماذا لم يطبق؟ (ابو رائد الصيراوي)

    الأحد 27 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    يؤسفني ان اعارض اندفاع الكاتب الكريم بالحكم على الحكومة الجديدة ووصفها بانهاتمكنت من تسجيل اهداف نظيفة على حد زعمه في حين يرى كثيرا من المواطنيين ان هذة الحكومة الجديدة وطاقمها الاقتصادي سارع بارسال رسالة الى المواطنيين مفادها نحن كمن سبقنا في اضاعة المال العام حيث ادخل ملحق على الميزانية زاد من عجزها بدلا من ان يتروى هذا الطاقم الجديد ويعيد دراسة بنود الميزانيه ويحاول تخفيضها كونها تحمل عجزا ماليا غير مسبوق. كان بامكانه وضع اولويات للميزانيه وشطب بنود كثيرة تضم بين ثناياها تبذير غير مبرر للمال العام جله يذهب الى نفقات على البذخ ومشاريع يمكن تاجيلها.

    من المنطقي عندما تمر دولة بازمة مالية ان تضع اولوياتها بحيث تتبنى ميزانية يمكن تامين مبالغها من الناتج الوطني فقط مع ما يرد للبلد من المساعدات اذا ارادوا مع العلم ان ادخال قيمة المساعدات الخارجية الغير مضمونة يجب ان يتعامل معها بحذر شديد والافضل عدم ادخالها كبند من بنود الميزانيه.

    لقد راينا ان الحكومة الجديدة هربت الى الامام بدلا من التصدي لمشكلة الميزانيه كما توقع الكثير من المواطنيين وهذا ان دل على شيء انما يدل على عدم جدية الحكومة الجديدة في التصدي لازمات البلد الاقتصادية ومحاولة ضبط الامور لمصلحة الوطن والمواطن الذي سوف يجبر على تسديد عجز الميزانيات من قوت اولاده كما سنرى في المستقبل القريب حين تتفتق عن اذهان الحكومة حلول تصب كلها بمزيد من الضرائب والرسوم التي سوف يدفعها المواطن.
  • »اول الغيث (غادة شحادة)

    الأحد 27 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    مخطئ من يظن ان المواطن يريد الانفصال عن الحكومة او لا يريد الثقة بها . كيف لهذا ان يحدث وهي منا ونحن منها ولا داعيلتكرار الاسطوانة المكررة عن ضرورة نزاهة الحكومة ودورها الاساسي لجعل حياة الشعب افضل ولا فائدة من التذكير باهمية التكليف الوزاري وضعوبته والحمل الثقيل الذي ينوء به كاهل الحكومة في ظل العجز المتنامي في الموازنة انما بالنسبة للثقة فهي سهلة المنال فالمواطن العادي لا يحلم باكثر من حكومة تؤمن لها التامين الصحي والضمان الاجتماعي والحياة الفضلى وخطوات الحكومة الجديدة الى الان تظهر بوادر ثقة كل مانستطيع ان نقوله اننا نامل بل ونرجو ان تكون بداية تحول جذري وندعو الله ان يبعدها عن الجعجعة فجل مانريده هو الطحن