"إحياء الجنوب" أولوية وطنية لا تقبل التأجيل

تم نشره في الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 صباحاً

طالما أنّ باب المراجعات قد فُتح، وبُدئ بتغييرات واسعة في المؤسسات العليا والرسمية، فإنّ ذلك يستدعي، أيضاً، مراجعة السياسات السابقة، وتصحيح المسارات الخاطئة، بخاصة في برنامج الإصلاح الاقتصادي والتنمية.

المسار الاقتصادي الحالي يتمركّز، في الثروة والنشاط والرفاه والخدمات المتميزة، في أحياء محدودة، يقع أغلبها في "عمّان الغربية". في المقابل هنالك ضعف في الناتج المحلي والحركة الاقتصادية والتنموية في المحافظات الأخرى، حتى تلك التي لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن "عمّان الغربية".

هذه الفجوة التنموية والخدماتية والاقتصادية، تبرز بصورة فجّة وواضحة، في مدن الجنوب، التي شهدت خلال السنوات السابقة هجرة واسعة نحو العاصمة عمان، ومحدودية في مستوى الخدمات، وضعف شديد في الحركة الاقتصادية، باستثناء السياحة العابرة، التي لم تستطع الحكومة إلى اليوم توطينها وتوسيع مداها الزماني والمكاني.

القضية لم تقف عند حدود الأزمة التنموية- الاقتصادية، بل لها انعكاسات كبرى على المستويات السياسية والأمنية والاجتماعية، ما يبدو بوضوح في استطلاعات الرأي أو الاحتجاجات الاجتماعية، والسياسية التي حدثت على خلفية الشروط الاقتصادية.

في ظل غياب المشروعات التنموية الكبرى، فإنّ النزعات الاجتماعية تنمو بصورة واسعة على أنقاض الانتماء للدولة، مع بروز ظاهرة "السلفية الجهادية" في أحشاء من المجتمع، وظواهر سلبية عديدة مرتبطة بأزمة العاصمة مع الجنوب، تنذر مستقبلاً بتجذّر المشكلة وارتفاع منسوب انعكاساتها.

من الظلم الادعاء بإنّ "مطبخ القرار" لم يتنبّه إلى ما يحدث في الجنوب، بل هنالك محاولات ومشروعات متعددة، منها منطقة العقبة الخاصة ومنطقة البتراء، والتخطيط الشمولي للمدن، وهي مشروعات محدودة في أثرها الجغرافي على مدنها، وفي أثرها الاقتصادي على شرائح معينة، ولا تمثل رؤية متكاملة لمناطق الجنوب كافة، التي تشعر بالتهميش الاقتصادي والحرمان الخدماتي.

كان هنالك، في السابق، تفكير بمشاريع تجمع مدنا في الجنوب مع العقبة، لكن ذلك تعارض مع قانون المنطقة الخاصة، التي بدورها لم تقدم جزءاً بسيطاً من فرص العمل الموعودة، كما توقع المسؤولون ووعدوا سابقاً، ولم تنهض بالمجتمع المحلي وبإمكاناته.

اليوم، ومع وجود حكومة تمتلك هذه "الرؤية النقدية"، فإنّ المطلوب منح الجنوب أولوية حقيقية، والتعامل معه كوحدة تنموية مترابطة، وتقديم تصور متكامل عام للنهوض به وتطويره، بتأهيل البنية التحتية والخدماتية، وجذب الاستثمارات والمشروعات المختلفة، وذلك يقتضي منظومة متكاملة من التسهيلات الضريبية والإعفاءات المرتبطة بتأهيل السكان وتوفير فرص عمل حقيقية، ومنح تسهيلات لمشاريع إسكان بشروط خدماتية جيدة.

"إحياء الجنوب" مفهوم أوسع من منطقة أو منطقتين خاصتين، أو بناء جامعات معزولة تعاني عجزاً مالياً، بل المقصود هو مشروع استراتيجي متدرج للتأهيل الشامل للبنية الاجتماعية والثقافية، بالتوازي والتزامن مع المشروعات الاقتصادية والاستثمارية، وتوفير فرص متميزة، تجعل من الجنوب نقطة جذب اقتصادية، لا طرد، كما يحصل حالياً.

في الجنوب إمكانات كبرى، تحديداً في المجال السياحي والطبيعي، ويستحق أن يتم التعامل معه والتفكير به استراتيجياً بصورة مختلفة، وهنالك فرص كبيرة لإنجاز اقتصادي وتنموي حقيقي، ببناء قِطاع نقل متطور، يربطه بعمّان، وحتى إقليمي، وبنية خدماتية توطّن السياحة فيه، وتجعله علامة مسجّلة عالمياً، بمحمياته الطبيعية وصحرائه الجميلة ومدنه الأثرية الخلاّبة، وتوفير فرص جذب سياحية موازية.

"إحياء الجنوب" ليس حلماً خيالياً، ولا هدفاً مستحيلاً، وربما يتطلب منظومة من التشريعات والامتيازات والنفقات على البنية التحتية، كما يُنفق على عمان اليوم، وقبل هذا وذاك عقلية إدارية استثنائية تُدرك خطورة هذا التحدي الاستراتيجي وأهميته الكبرى في المستقبل، ليشكل أحد أبرز مراكز الإنتاج المحلي والاقتصاد الوطني.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المقال بحاجه للمزيد من التفسيرات (ابو حذيفه)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    الموضوع يستحق التامل والتدبر؟؟وعلى الحكومه اخذ الملااحظات الاايجابيه بعين ااعتبار
  • »دعوة لشيوخ الجنوب (محمد محمد)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    على شيوخ و ملاك الاراضي في الجنوب مثل شيوخ الصخور التكتل مع بعضهم لتكوبن قوة اقتصادية قادرة على عمل مشاريع ضخمة في الجنوب , فالاستثمار في الارض الخالية يضاعف ثمن الارض عدة مرات, و ينمي نوعية الانسان...لا تستنوا اي حدا خذوا المبادرة من انفسكم.
  • »لا للظلم في الاطراف (مش من الجنوب)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    سكان المحافظات في الشمال والجنوب يطالبون بحقوقهم المنقوصة عاجلا أم آجلا... الظلم واضح ، وقد حان وقت ضد من لا يفهم لغة الصبر
  • »الأولوية الوطنية (زهير السقا)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    عودة الى ذي بدء د. أبورمان، التوازن التنموي مطوب في كل شبر من بلدنا، وليست حبة الرمل في عمان أغلى في القلب من حبة الرمل في الكرك أو معان أو النعيمة أو الطيبة.... وما شهدت شخصيا من حالات إنعدم فيها المأوى والملبس والمأكل والمشرب لأسر من زوج وزوجة وأولاد لم تنحصر في الجنوب، بل شهدتها في الصفاوي كما شهدتها في وادي موسى، وهي موجودة في عمان والمناطق القريبة من عمان. وليس الأردني المسكين (الأقل من فقير) أقل حبا لوطنه وأهل بلده من الأردني الميسور، بل ربما أن العكس صحيح.
    تجزيئ سوء الإدارة الى المنظور الجغرافي أو الديموغرافي لا يؤدي إلى حل. والهجرة الى المدن بلا شك، هي أحد مظاهر سوء الإدارة ولكنها أيضا جزء لا يتجزأ من ناموس الطبيعة، فمدن كاملة هجرها أهلها لسببأو لآخر على مر التاريخ.
    وكما انتقدت الصحافة وكشفت تجاوزات المال السياسي في علاقات مجلس النواب السابق، فالمال السياسي موجود منذ عقود في أكثر من شكل، ربما كان أكثره شهرة التوظيف بوظيفة "مساعد قاعد" والتي هي أحد أسباب ضعف الإدارة العامة وانحسار مواردها. هذه الحالة خلقت الإتكالية على الدولة وقتلت روح المبادرة والإبداع والعمل الصالح.
    للأسف، الحال كما كرة الثلج، تزداد سرعة وحجما في إنحدارها.
    الحكومات لا تملك العصا السحرية، ولا بترول ولا موارد وسوء إدارة مزمنة يستعصي على أي فريق وزاري مهما بلغت كفائته ونزاهته أن يغير بين ليلة وضحاها. نحن بحاجة إلى العودة للأردني الأصيل الذي يعمل من أجل نفسه وأهله وبلده، العودة للأردن أولا.
    لنستذكر تجارب عديدة قامت فيها المجتمعات المحلية، بعيدا عن عمان، بحملات تنظيف شوارع، بناء دوار (الفحيص)، حملات تعليمية وتنموية وإصلاحية بجهود فردية مما يمكن أن ينطبق عليها صفات مؤسسات المجتمع المدني التي لا تنتظر راتبا حكوميا أو دعم أو معونة.
    وهنا الدور الأكبر على الإعلام، فهو أداة التغيير الأكبر التي يجب عليها التعامل بإيجابية وتكون أداة لتنية المجتمع وإبراز القيادات القادرة على النهوض بمجتمعاتها وقراها لما فيه الخير للجميع.
  • »إنصاف إسم الأردن أينما وجدت حروفة (أنس مهدي الرواضية)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    ليس غريبا أن ترحل الحكومة المشاريع التنموية الجنوبية.. بصراحة من الجدير ذكرة أن تعطيل المشاريع التنموية الجنوبية هو ضمنيا تعطيل لمقدرات البلد عامة فلا يمكن ان تساهم المشاريع التنموية بالنهوض بمقدرات البلد إذا كان طرفا وشريكا أساسيا فيها مرحل أصلا كالجنوب مثلا، فلا يمكن نسيان أن أكبر مساحة يمكن الإستفادة من طاقتها الشمسية المتجددة بالأردن هي في الجنوب وأكبر حوض يشفي جراح الأردن المائية هو أيضا في الجنوب؛ وأكبر دخل سياحي (البتراء/وادي رم) في الجنوب.. ولا يمكن إغفال دور تراب الجنوب الذي يساهم في رفد الإقتصاد الوطني "بالعملة الصعبة" التي يحتاج لها الأردن في ظل الأزمة المالية العالمية التي من الممكن أن تعصف رياحها منطقتنا عما قريب .... الطلوب "النظر الى المعادلة الوطنية بكل وضوح ومسؤولية وحل المعقد منها"، وإنصاف إسم الأردن اينما وجدت حروفة؟!!
    كل اشكر لكاتبنا المحترم أبو رمان
  • »الاقاليم (رجب علوي)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    يبدو ان حضرتك ناوي ترشح حالك عن احدى دوائر الجنوب .تستاهل على هالمقال . ولكن حسب المعلومات المتوفرة فان اغلب المشاريع الكبيرة في الجنوب وما يحتاجه اهل المنطقة ان يركزوا في التعليم والتدريب للاستفادة من هذه الفرص .اما حشر عمان الغربية في هذا الموضوع فلم يكن موفقاابدا ولكن لو قلت عمان ممكن قبولها علما بان اغلب المشاريع في مناطق اخرى من عمان مثل سحاب وغيره ولكن من ينعم الله عليه اول ما يصير معاه فلوس يسارع للسكن في غرب العاصمة.الحال من يعضه في معظم دول المنطقة نشاهد العاصمة ويمكن مدينةاخرى في نفس البلدفي وضع جيد والباقي على الله.تمنياتي لاهل الجنوب الكرام كل تقدم وازدهار في ظل القيادة الحكيمة.
  • »احياء الاراضي الزراعيه (محمد سعاده)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    هناك في الجنوب ابضا منا طق شاسعه من الراضي الزراعيه التي تحتاج فقط الى الاهتمام بها وزراعتها من افضل الاراضي الزراعيه البكر في المملكه تحتاج الى خطه محكمه وهي قابله للانتاج باقل جهدوتكفي المملكه وتفيض وقد رايتها في الشوبك والحسينيه والطفيله وجدواها افضل من اي مشاريع اخرى كما انها اقل تكلفه
  • »إحياء الجنوب (محمد الحسنات)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    اشكر الاستاذ الفاضل على التذكير بهموم الوطن ،والجنوب جزء من هذا الوطن الغالي واعتقد ان الجنوب ليس عبا على الاقتصادالوطني بقدر ما هو رفيد الى الاقتصاد الوطني، والسياحةجزء من هذه الروافد وان كانت سياحة الساعات المعدودة!!!، هاهي البتراء يمر على اختيارها واحدة من عجائب الدنيا عامين، والحال كما هو .نحتاج الى تنيمة شاملة ليس في جانبها الاقتصادي فقد بل في كل محاور التنمية ونحتاج الى توزيع عادل الى مقدارات الوطني والاردن بلد هباه الله بخيرات ، تحقق الرفاه والتقدم ان احسن استغلالها .
  • »في الجنوب (أبو الحسن الكركي)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    في الجنوب بوتاس الوطن وفوسفات الوطن واسمنت الوطن ومياه الديسي التي توصل لعمان وميناء الوطن ومعظم ثروته الحيوانية واحتياطه من الصخر الزيتي ونحاس الضانا الممنوع من الاستخراج ومقامات الصحابة وبتراء الأنباط وقلاع الكرك والشوبك العقبة وجبال رم ومياه معدنية ساخنة رؤساء وزارات سابقين ورؤساء مجالس نواب وقادة للجيش وشعب يعطي الحكومة أقل نسبة رضا حسب الاستطلاعات الرسمية بسبب الفقر ونقص الخدمات وتخلف القطاع الصحي والبطالة التي لا تجد مشروعات سوى مصانع يشغلها الصينيون في الجنوب تسمع هديرا تحت الأرض في الجنوب يتفنن الفقر بين الناس في الجنوب صار الرحيل إلى العاصمة حلما في الجنوب للتطرف مكان أن أتى فكل أرضيته باتت متوفرة في الجنوب يحبون اليمن وقبائل البلوش ويكرهون أميريكا والأكراد في الجنوب كل يوم ترتفع صورة جديدة لحسن نصرالله في الجنوب لم يعد الناس يتفاءلون بالمنخفضات الجوية لأنهم سيحرقون الكاز وينزل المطر في مكان آخر في الجنوب للجنون وجه آخر
  • »ان شاء الله (هيثم الخشمان)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    بارك الله فيك يا استاذ محمد ومشكور على التذكير بالجنوب وضرورة النهوض به.
  • »OH. MY GOD (araki)

    الأربعاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    اخ لو انك رئيس وزراء ......... بس خايف تبطل