المطلوب إعادة ترسيم العلاقة بين العراق وإيران وليس فقط ترسيم الحدود

تم نشره في الثلاثاء 22 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 صباحاً

يقول الايرانيون إنهم لم يدخلوا الاراضي العراقية وان حقل "الفكة" النفطي يقع داخل الاراضي الايرانية وفق اتفاقية الجزائر لترسيم الحدود بين البلدين التي تم توقيعها في العام 1975، في حين يؤكد الناطقون باسم الحكومة العراقية أن هذا الحقل يقع ضمن حدود الاراضي العراقية وبالتحديد في محافظة ميسان، وأن دخول الجنود الايرانيين الى هذا الحقل ورفع العلم الايراني عليه هو انتهاك للسيادة العراقية.

ولا يخفى على احد ان هناك نزاعا حدوديا قديما بين البلدين، ولكن ما يسترعي الانتباه هنا سؤالان، الأول لماذا الان وبهذه الطريقة؟ والثاني لماذا كان رد فعل الحكومة العراقية خجولا او لنقل اقل حدة من المتوقع؟ وهو السؤال المرتبط بتفسير العلاقة بين البلدين
و الدور الايراني في عراق ما بعد 2003.

قد تكون الاجابة عن السؤال الاول اقل تعقيدا. على الأغلب، فإن إيران أرادت خلق واقع على الارض من خلال تواجد عسكري في احدى المناطق المتنازع عليها، وذلك قبل شهر من بداية محادثات رسمية بين الجانبين بهدف تسوية المسائل الحدودية، وهو امر لا يمكن الا استهجانه، فقد كرست ايران سياستها مع جيرانها من خلال فرض الامر الواقع بالقوة، وهذا ما نراه بوضوح في قضية جزر طنب، التي تتنازع عليها كل من الامارات وايران.

ايران ما تزال مستمرة في إرسال رسائل غير مطمئنة لجيرانها وللمنطقة، بل وحتى للمجتمع الدولي باكمله، وهو الامر الذي يزيد من مساحة عدم الثقة بالسياسات الايرانية.

اما السؤال الثاني، فهو السؤال الكبير، الذي يعتبر احد المواضيع الشائكة في العراق، وأحد اكثر القضايا اثارة للجدل سواء بين النخب السياسية او حتى في الشارع العراقي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل هذا الموضوع عند محاولة تفسير ردة فعل الحكومة العراقية على حادث لا يمكن تفسيره الا بأنه "انتهاك سيادة" على اقل تقدير.

وقبل ان نخوض في اي تفاصيل، فإنه من الانصاف القول إن هناك من يرى في ردة فعل الحكومة العراقية لهجة لم نعتد أن نسمعها من اي ممثل حكومي عراقي تجاه ايران منذ ست سنوات.

كان الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية علي الدباغ، واضحا حين طالب الايرانيين بسحب الجنود وازالة العلم، وحين اكد ان الحقل النفطي يقع ضمن الاراضي العراقية، كما يرى مراقبون ان استدعاء السفير الايراني في بغداد وابلاغه بأن ما حدث هو امر غير مقبول، هو تحول في سياسة العراق تجاه الجمهورية الاسلامية.

الا ان اطرافا اخرى، بخاصة تلك التي ترى ان العلاقة بين الدولتين ليست مبنية على علاقات حسن الجوار وانها علاقة غير متكافئة وتصب في صالح الطرف الايراني، فقد رأت ان رد الفعل الحكومي كان خجولا، بل وذهب البعض الى وصفه بأنه "شبه صمت" من الحكومة على ما حدث، كما ورد في بيان صادر عن حركة تحرير الجنوب التي يقودها السياسي عوض العبدان، وهي حركة هدفها الاساسي (وفقا لما تعلنه) مقاومة النفوذ الايراني في العراق، بخاصة في محافظات الجنوب، اضافة الى مقاومة الاحتلال الاميركي، وتشرح الحركة معنى المقاومة بانها المقاومة المدنية والدبلوماسية والشعبية.

بين الرأيين، لا بد من القول ان رد الفعل العراقي تجاه حادث "انتهاك السيادة" الواضح لم يكن بالقوة المطلوبة، حيث حرص المسؤولون العراقيون على ايضاح مدى حرصهم على حل المشكلة مع ايران من خلال القنوات الدبلوماسية وبعيدا عن التصعيد العسكري، وهو امر يمكن فهمه لو كانت تصريحات المسؤولين على نفس المستوى عندما تعاملوا مع احداث اخرى داخلية او مع دول مجاورة.

العلاقة بين العراق وايران ليست بالتأكيد علاقة عادية بين دولتين متجاورتين، فقد احتضنت ايران ولفترة طويلة عددا كبيرا من رموز المعارضة العراقية لنظام صدام حسين وبالاخص الدينية منها، وبشكل اكثر تحديدا تلك التي تمثل الطائفة الشيعية في البلاد، وقد ثارت العديد من الاستفهامات عن مدى تأثير طهران على هذه القوى، بخاصة تلك التي وصلت الى الحكم في العراق بعد سقوط نظام البعث، فقد تناول المراقبون العديد من الامور التي تربط بين هذه القوى وايران سياسيا وامنيا.

كانت هناك اتهامات لايران بأنها تتدخل في الشأن العراقي الداخلي من خلال تأثيرها على هذه القوى من ناحية ومن خلال تسليحها لعدد من المليشيات المتورطة في عمليات العنف والتصفية من ناحية اخرى. ويستند البعض الى هذه العلاقة في تفسير ردة فعل الحكومة العراقية تجاه الانتهاك الايراني، قائلين ان اعتماد هذه القوى على ايران، بل وتبعيتهم لها، يجعلهم غير قادرين على الرد بقوة على ما حدث.

الانجراف وراء مثل هذا الرأي غير صائب تماما، القوى الشيعية العراقية متباينة في موقفها وعلاقتها مع طهران، حتى وإن كان هذا التباين غير واضح، الا انه قد يعطي التفسير الصحيح لطبيعة ردة الفعل العراقية، الذي حاول المسؤولون العراقيون أن يكون متوازنا بين انتقاد ما حدث والمحافظة على مبدأ السيادة الوطنية مع عدم الاضرار بالعلاقة الاستراتيجية التي تربط القوى الحاكمة في العراق مع ايران.

ويمكننا تقسيم القوى الشيعية العراقية وفقا لعلاقتها مع ايران الى ثلاثة اقسام، فالقسم الاول يؤمن بضرورة الاحتفاظ بعلاقات قوية جدا مع النظام الايراني، وهي علاقة قد يراها البعض انها تصل الى حد التبعية، ويبرر هذا التيار، الذي يقوده المجلس الاسلامي الاعلى في العراق، هذا النوع من العلاقة، بأن ايران كانت وستبقى الداعم الاكبر للشيعة في العراق بسبب الروابط الدينية. كما ان هذا التيار لا ينسى ان ايران كانت الملاذ الوحيد له ابان حكم البعث، وبالتالي فان اي تغيير في هذه العلاقة يعتبر تنكرا (للفضل) الايراني على هذه القوى، ويرى المعارضون لهذا التيار ان هذه العلاقة قد حولت هذه القوى من قوى عراقية الى قوى تمثل المصالح الايرانية داخل العراق.

التيار الشيعي الاخر، وهو أيضا تيار ديني، ويقوده رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، يرى ان الوقت قد حان للنهوض بتيار شيعي وطني خالص، تيار يحافظ على الاساس الديني (الشيعي) ولكن ضمن اطار يعطي العراق الاولوية في اي سياسة او قرار يتم اتخاذهما، وهو تيار يؤمن الى حد كبير بضرورة اعطاء العمق العربي للعراق ما يستحقه من اهتمام، ولكن من دون المخاطرة باساءة العلاقة مع طهران، ويفضل هذا التيار ان يتعامل مع ايران وفق مبدأي حسن الجوار والمصالح المشتركة.

أغلب الظن أن رئاسة المالكي للحكومة العراقية الحالية هي السبب في صدور تصريحات قد تعتبر "متوازنة"، فتيار المالكي يريد ان يؤكد على سيادة العراق وان مصالحه تأتي بالدرجة الاولى، كما يريد ان يؤكد على رفضه للتصرف الايراني، الا انه في الوقت ذاته لا يرغب على الاطلاق بأي تصعيد مع طهران قد يضر بمصالحه الاستراتيجية على المدى البعيد.

التيار الثالث وهو التيار الشيعي العلماني، ويقوده رئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي، ويتعامل مع ايران كدولة جارة ووفق المصالح المشتركة، من دون اي اعتبار للعامل الديني. وهذا التيار لا يمانع توجيه انتقادات اكثر حدة الى الدور الايراني في العراق، وهو لا يفضل وجود اي دور لايران في الشؤون الداخلية العراقية، ويرغب في تحديد العلاقة مع طهران بما يتناسب ومصالح الدولة العراقية، واي تطور في هذه العلاقة يجب ان يكون مصحوبا بتحقيق مصالح وطنية عراقية بالدرجة الاولى، وكما هو معروف فان هذا التيار غير متواجد في الحكومة العراقية او على الاقل غير مؤثر وبالتالي فان رؤيته لطبيعة العلاقة مع ايران ستكون مغيبة.

التباين بين التيارات الثلاثة سيكون اكثر وضوحا في الانتخابات المقبلة، وستكون محصلة اصوات كل تيار في المحافظات الجنوبية مقياسا لرأي الشارع الشيعي في التيارات الثلاثة، وبالتالي مقياسا (جزئيا) لرأي هذا الشارع في طبيعة العلاقة مع ايران.

وحتى ذلك الوقت، فإن مسؤولية التعامل مع الازمة الراهنة تقع على عاتق الحكومة الحالية، وان كان الوضع السياسي العراقي حاليا غير مؤهل لادارة هذه الازمة بشكل فعال، لأن  القوى العراقية كافة بما فيها تلك المشاركة في الحكومة، تضع كل امكاناتها وطاقاتها في التحضير للعملية الانتخابية.

اتخاذ اي قرار في مثل تلك القضايا المهمة لا يمكن ان تقوم به حكومة قد ترحل مع نهاية الشهر المقبل، الا ان الحد الادنى المطلوب من الحكومة العراقية ان توجه تحذيرا واضحا للطرف الايراني بضرورة عدم تغيير الواقع على الارض، وان يرتبط اي وضع جديد بانتهاء محادثات ترسيم الحدود.

وفي حال عدم الاستجابة الايرانية فان على السلطات العراقية رفع الامر فورا الى الامم المتحدة لتثبيت حقها، كما عليها تصعيد الاجراءات الدبلوماسية مع طهران، ومن الواضح ان هذا الامر هو امتحان حقيقي لقدرة العراق على حماية سيادته خاصة وان الولايات المتحدة التي تستعد للانسحاب من هذا البلد قد اعلنت انها لن تتدخل على الاطلاق في هذا النزاع وان كانت قد ابدت قلقها من التصرفات الايرانية.

بات من الضرورة، إعادة ترسيم العلاقة بين العراق وايران وعدم الاكتفاء بمحادثات ترسيم الحدود. فالعلاقة بين الجارتين يجب أن تكون مبنية على الاحترام المتبادل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وأن يتخلى اي طرف عن اي رغبة في التدخل في شؤون الطرف الاخر، وأن يحترم الطرفان السيادة الوطنية.

* كاتب وباحث أردني متخصص بالشأن العراقي

التعليق