لا تنسوا الجنوب

تم نشره في السبت 19 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

في غمرة الحديث عن التغيرات الأخيرة التي جرت مؤخرا من حل للبرلمان والتغيير الحكومي وحل مجلس الأعيان وإعادة تشكيله من جديد، يبدو أن الأردنيين يعيشون نهار الزمن السياسي حسب تعبير المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه.

النهار السياسي موجود طاغٍ في العاصمة، وقليل الحضور في الأطراف، ولعل أفضل وسيلة للخروج منه أن تذهب خارج العاصمة شمالا أو جنوبا أو توغل شرقا لتكتشف أن ما يجري في العاصمة ليس إلا كلاما للاستهلاك وأن ما يحدث في الأطراف أمر مختلفا كل الاختلاف.

السبت الماضي كنت في وادي موسى، هناك لا يعنى الناس بالحكومة ومدى التزامها بالتغيير أو قدرتها على الحفاظ على الهوية الوطنية أو عدمه أو قدرتها على الإصلاح.

أبو رامي كبير وأقدم الأدلاء السياحيين يروي كيف اكتشف الخطأ التاريخي في نشرة سياحية لوزارة السياحة تتحدث عن موقع أم الرصاص، يتحدث بتهكم يوم طلب شاهدا لرئاسة الوزراء في عهد الحكومة السابقة على الموضوع، ويفيض بالحديث عن الجنوب وعن الفقر. وليس من داع لتجميل الواقع والراهن ويجب أن نعترف بأن أحاديث أهلنا هناك تحمل تشاؤما كبيرا ولما سألنا في مطبخ عيد النوافلة المعد للسياح في البتراء سألنا عن الوضع العام، قالوا: الوضع لا يحتاج لتفسير، الناس يحزنون في النهار ويبكون في الليل على الزراعة.

في الطريق جنوبا قرى متعثرة وأخرى في طريق الزوال، الشوبك تعاني الهجرة لعمان مثلما تئن قرى جنوب الكرك من الإهمال، وعلى طول الطريق الجنوبي لا تلحظ إلا بقايا حلم جميل بأن الغد كان يجب أن يكون أفضل لكن الأفضل لم يأت.

تحاول عبثا أحيانا أن تذهب في مسلك دفاعي عن الدولة وان تشرح التحديات والانجازات وان تفسر بعض ما غمض، فتكتشف أن الناس أذكى من ذلك المسلك وأنهم يعون كل صغيرة وكبيرة، وأن مطالبهم ليست معجزة.

الطريق الصحراوي مختبر التنمية، مثلا ما إن تغادر عمان حتى يبدأ الفقر، يرسم حضوره ويبدو فشل التنمية عيانا للناظر، مطالب الناس هناك ليست كبيرة فالطرق والمستشفيات والمراكز الصحية ومكاتب البريد موجودة، لكن الغائب هو الخدمة الجيدة وانعدام وجود فرص عمل لأبنائهم والحل ليس صناعة طارئة أو مشروع سيارات يفشل على أبواب معان أو مشروع تلفريك في البتراء إنما الحل في القدرة على خلق مبادرات دائمة ومنتجة تبقى هناك وتستديم.

نعترف أن قدرة الحكومات المتعاقبة على التغيير محدودة في الجنوب، وأبدأ من قرية الدامخي جنوب عمان بنحو 60 كم ومثلها قرية ضبعة اللتين ابتدع أبناؤهما ملعبا بسيطا لكرة القدم للترفيه لقضاء وقت فراغهم، لكن المعلب الترابي يسفهم  بالتراب يوميا والغبرة تدمي أعينهم. وبالتأكيد لا المجلس الأعلى للشباب ولا هيئة شباب كلنا الأردن معنيون بشباب الدامخي وضبعة، أما مسجد حمزة بن عبد المطلب في القطرانة على الشارع الرئيس فهو في حالة مزرية والتوسعة التي أضيفت إليه واضح أنها بلا تخطيط  ولن تكفي للعام المقبل والمسجد يحتاج لدعم الحكومة والخيرين ماديا ويحتاج لأمام مستنير تعينه الحكومة.

تحديات الحكومة ومشاريع اللامركزية والإصلاح كبيرة في الجنوب وفي الشرق وفي ريف الشمال، والذي يرفع تخوف الناس هناك على هوية الوطن، ويمده بالشرعية هو إحساسهم بان المسؤولين أداروا لهم ظهورهم، ونجاح الحكومة يبدأ بالأمور الصغيرة في الدامخي والأشعري ووادي موسى والقطرانة.

Mohannad.almubaidin@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ايس الجنوب فقط (لواء الصمادي)

    الأحد 20 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    الجنوب و الشمال و الوسط , الفقر المطقع يعم البلاد .
  • »العدالة في توزيع مكتسبات التنمية (حسان سلطان المجالي)

    السبت 19 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    اتفق معك ان هناك اهمال كبير من قبل الحكومات المتعاقبة لهذه المواقع والتجمعات السكانية التي ذكرتها خاصة في جنوب الوطن الذي يعد الأغنى في الموارد من مياه ومعادن وغيرها ، لكن بذات الوقت فانه يجب ان يوضع اللوم الأكبر على ابناء هذه المناطق الذين جاءوها زواراً ثقيلي دم يستجدون اهلها منحهم ثقتهم ليكونوا لهم الصوت الأمين ايام حملاتهم الانتخابيه وما ان حققوا مرادهم اداروا لهم ولها ظهورهم وشدوا الرحال نحو تحقيق مكاسبهم ومصالحهم الأنية الأنانية الضيقة والخاصة ، وكذلك الأمر فأن اللوم يقع على هولاء الذين تخرجوا منها الى الحياة بعد قضاء فترات طفولتهم وشبابهم فيها فلما اشتد ساعدهم وسرقتهم الاضواء في عمان بعدما تولوا فيهااعلى المناصب وحملوا الألقاب ، نسوا او تناسوا وكلا الحالين اسواء انهم من تلك المناطق النائية وان اهلها لا زالوا يعيشون الحرمان والبرد والجوع الذي ذاقوه قبل خروجهم منها .
    على كل حال فأن الاهم من كل ذلك هو ان تتحقق ما بتنا نعرفه بالعدالة في توزيع مكتسبات التنمية ، فهذا العنوان الذي سمعناه في خطابات الحكومة والنواب بات الجميع يحفظه عن ظهر قلب لكن دون تحريك اي ساكن اتجاهه ، فالأنتماء للوطن والولاء له يتحقق بالعدل والمساواة بين جميع ابنائه ، وتوزيع مكتسبات التنمية واحدة من هذه الحقوق .
    شكرا للكاتب المبدع .
  • »منسي ام متناسى (ابو ليث)

    السبت 19 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    اولا الشكر الجزيل للدكتور مبيضين على هذه اللفته الكريمه لنقل معاناة بعض المناطق الجنوبيه المتهالكه والمنسيه من جميع الخدمات الا ما رحم ربي ..فنحن ابناء محافظه الطفيله موجودين ايظا ولكن على الخارطه فقط الكل يعرف اهمية هذه المحافظه لما تحتوي من ثروات وموارد طبيعيه ومصنع للاسمنت والفوسفات وصخور زيتية واخرى سياحيه كمحمية ضانا وحمامات عفرا والبربيطه وسد التنور وللاسف يخدم المحافظة شارع واحد فقط وخدمات اجتماعيه معدومه فأرجو النظر لهذه البقعه المنسيه والدليل على نسيان المحافظه حتى انت يا دكتور مبيضين نسيت ذكرها بتقريرك علما انت ادرى من غيرك بمآسيها ولك الشكر والتقدير 
  • »تابع مسيرك (كامل العبيسات)

    السبت 19 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    شكرا للدكتور مبيضين ، لكني اقول لماذا لم تتابع سيرك باتجاه الجنوب ففي الكرك تجد ما هو اكثر من ذلك ،فاذا تفقدت " مثلاً " منطقة وادي الكرك لتجد ان الكل ادار ظهره لتلك المنطقة لا بل وفرغت من اية مشاريع واصبحت طاردة لسكانها ، لما تقدم واكثر فالجنوب متعثر في امور كثيرة .